//

هل يفقد القطاع المصرفي ما بناه في مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب؟

أصبح من شبه المؤكد ان القطاع المصرفي في لبنان يواجه ازمة كبيرة لا يمكن لغاية اليوم تقييم عواقبها والخسائر التي ستلحقها. اما اسباب تلك الازمة فهي عديدة وتعود الى ما قبل “ثورة 17 تشرين” الأول 2019.

ومن المؤكد ايضاً ان المصارف اللبنانية التي تعتبر المحرك الاساسي في دورة الاقتصاد قد فقدت ثقة المودعين تبعا لخسارة جزء اساسي من دورها اذ تدنت قيمة القروض بشكل كبير من جهة واصبحت العمليات المصرفية تقتصر على السحوبات النقدية وبيع و شراء الشيكات بغية اخراج القيمة الاكبر من الودائع خارج المصارف من جهة اخرى.

اما البنوك المراسلة في الخارج فقد بدأت تقطع علاقاتها المالية مع مصرف لبنان مما يشكل خطرا على التحويلات الأجنبية وشراء السلع الأساسية، وكذلك الحصول على العملات الأجنبية لتشغيل المرافق الاقتصادية المختلفة.

وانطلاقاً من كل ما تم ذكره، هل يصبح اقتصاد لبنان بما يعرف بـ “الاقتصاد النقدي” فيما يتجه العالم نحو الاقتصاد الرقمي؟ وما هي اهم تداعيات هذا الموضوع؟

يقوم “الاقتصاد النقدي” أو جزء منه على اتمام المعاملات المالية نقدا بدلا من التحويل المصرفي أواستخدام بطاقات الائتمان. اما تداعيات هذا النظام فهي عديدة: بالاضافة الى الانعكاسات المالية السلبية على الاقتصاد كزيادة تكلفة طبع المال و قطع العلاقات مع الخارج، تبقى التداعيات الاهم في زيادة الفساد، تبييض الأموال، تمويل الارهاب والتهرب الضريبي.

يمكن تعريف تبييض الأموال او غسيل الأموال بأنه مجموعة من الاجراءات المالية التي يقوم بها الأشخاص الذين يحققون مبالغ مالية بطرق غير شرعية وذلك بهدف اضفاء الطابع الشرعي والقانوني على تلك الأموال واخفاء مصدرها الأصلي غير القانوني.

لعب مصرف لبنان دورا اساسيا في الحفاظ على القطاع المصرفي ومنعه من ان يصبح قناة لغسيل الأموال أو تمويل الإرهاب، من خلال اعتماد المعايير الدولية في مكافحة الفساد واصدار مجموعة من التعاميم  الواجب  اتباعها من قبل جميع المصارف اللبنانية في هذا الصدد اهمها التعميم رقم 128 الصادر سنة 2013 والذي يقضي بالزام المصارف والمؤسسات المالية بإنشاء قسم جديد مستقل عن باقي الاقسام الاخرى  يعرف بـ “إدارة الامتثال” ويعمل على  تحديد مخاطر تهريب الاموال التي يواجهها المصرف او المؤسسة المالية ويطرح الحلول المناسبة  لمعالجتها.

تقوم هذه الادارة ايضا بتنفيذ إجراءات التحقق من مدى التزام المصارف بالقوانين المرعية الاجراء والتعليمات الصادرة عن مصرف لبنان وهيئة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة وأي جهة أخرى مختصة.

اما التعميم رقم 126 الصادر سنة 2012 تحت عنوان “العلاقة بين المصارف والمؤسسات المالية ومراسليها” فقد ألزم المصارف والمؤسسات المالية العاملة في لبنان بمكافحة الإرهاب من خلال التطبيق الصارم لرقابة العمليات المالية والمصرفية خاصة تلك العابرة للحدود بالإضافة إلى ضرورة إطلاع المصارف اللبنانية على القوانين والأنظمة والعقوبات المفروضة من الخارج.

فكيف يهدد الاقتصاد النقدي ما بناه مصرف لبنان في مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب؟

إن الاقتصادات القائمة على النقد هي أكثر عرضة لغسيل الأموال نظرا لهيمنة المعاملات النقدية إلى جانب انخفاض اختراق القطاع المالي في المجتمع مما يجعل من السهل دمج عائدات الجريمة في بقية الاقتصاد دون تدخل النظام المالي في المراحل الأولية. يضاف الى أن برامج “اعرف عميلك” و”توضيح مصدر المال” هي من الوسائل الاساسية للتعرف على المعاملات المشبوهة والإبلاغ عنها الا انه في الاقتصادات القائمة على النقد يكون من الصعب للغاية جمع المعلومات عن العملاء وهوياتهم مما يسهل عملية تبييض الأموال.

تجدر الاشارة الى انه في المراحل المتقدمة لا مفر من استخدام النظام المالي ولكن بعد فوات الأوان اذ تكون عملية تبييض الاموال قد تمت، يضاف الى أن المراحل الثلاث التقليدية لغسيل الأموال (الإيداع، التمويه، الادماج) هي بالكاد قابلة للتطبيق في الاقتصاد القائم على النقد (باستثناء المرحلة الأخيرة)، مما يجعل غسيل الأموال أسرع مما هو عليه في الاقتصاد غير النقدي.

اما وسائل غسيل الاموال في الاقتصاد القائم على النقد فهي كثيرة وتترجم بطرق عديدة ولكن الاكثر ملائمة لوضع وظرف لبنان هي:

  1. اقتناء الممتلكات العقارية وتطويرها:

يشكل سوق العقارات في الاقتصادات القائمة على النقد الوسيلة الاكثر استخداما لغسيل الأموال لأسباب مختلفة لا سيما في البلدان التي تشهد غيابا للتمويل وتفتقد الى منح القروض العقارية.

من جهة اولى، تسمح حركة السوق وقيمة العقارات لـ”المبيضين” بالتصرف بمبالغ كبيرة قد لا تثير الشبوهات. إضافة الى انه يمكن تنظيم سند الملكية على اسم شخص آخر أثناء شراء العقارات وعادة ما يكون هذا الشخص أحد أفراد العائلة ليس له سجل جنائي وبهذه الطريقة يتم استبعاد ذكر اسماء المبيضين في عملية البيع. أخيراً يمكن التلاعب بقيمة الممتلكات من خلال التعاون مع أشخاص ثالثين مثل وكلاء البيع.

  1. شراء السلع عالية القيمة

يتم استخدام هذه الطريقة لسببين اساسيين: السبب الأول هو أن تلك السلع ذات قيمة عالية، مما يسمح بتبييض مبالغ كبيرة في عمليات أقل، والثاني يكمن في أن قيمتها ليست ثابتة وتتغير بحسب الطلب والندرة وقد ترتفع بشكل ملحوظ في فترة زمنية قصيرة.

أخيرا، هناك العديد من الخطوات التي يمكن اتباعها لمواجهة التحديات التي تثيرها الاقتصادات القائمة على النقد. ولا بد من الاشارة أولا في هذا السياق ان مهمة مكافحة تبييض الاموال لا تقع فقط على عاتق مصرف لبنان والقطاع المصرفي بل هي مسؤولية عدة جماعات وادارات اولها الدولة والقضاء.

لذلك يقتضي تطوير سياسات شاملة واطر قانونية واضحة تهدف الى تفعيل وتطوير برامج جديدة لانظمة التحويل البديلة تساعد على كشف اي حركة مشبهوة، فضلا عن البقاء على تواصل مستمر مع الجهات الخارجية للإطلاع على العقوبات المفروضة من الخارج.


Notice: Trying to get property 'display_name' of non-object in /var/www/wp-content/themes/fox/inc/single.php on line 768


Notice: Trying to get property 'description' of non-object in /var/www/wp-content/themes/fox/inc/single.php on line 774

Notice: Trying to get property 'ID' of non-object in /var/www/wp-content/themes/fox/inc/single.php on line 784