/

المشهد “الجهنمي” حين يصادر الدائنون الأجانب ذهب لبنان وطائراته

منذ أن أعلن لبنان تخلفه عن سداد سندات اليوروبوند في شهر آذار الماضي، لم يسمع اللبنانيون أي أخبار تتعلّق بالدائنين الأجانب، وظلّت جميع التطوّرات المتعلّقة بهم بعيدة عن الاهتمام الإعلامي. فالعمل في الظل، والابتعاد عن المشهد الإعلامي، مع متابعة جميع التطوّرات والتفاوض بعيداً عن الأضواء، ليس سوى جزء من طريقة عمل الصناديق الاستثماريّة المتخصصة بالتعامل مع الحالات المشابهة، كصندوقي آشمور وفيديلتي، أكبر دائني الدولة اللبنانيّة الأجانب.

عمليّاً، يمكن القول أن صبر هؤلاء الدائنين، وتريّثهم قبل اللجوء إلى خيار مقاضاة لبنان في المحاكم الدوليّة، بات مرتبطاً بمصير المبادرة الفرنسيّة، بعد أن ارتبط أيام حكومة دياب بمصير المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وأحد المشاهد “الجهنميّة” التي قد نراها في حال سقوط مسار المبادرة الفرنسيّة، قد تكون دخول لبنان في صراع قانوني مع دائنيه في الخارج، بالتوازي مع استنفاد الاحتياطات القابلة للاستعمال من العملات الأجنبيّة في الداخل. ووفقاً لما يراه الدائنون اليوم، تشكيل الحكومة لن يعني بالضرورة نجاح هذه المبادرة.

بانتظار مبادرة ماكرون
الأكيد حتّى اللحظة، هو أن ملف التعاطي مع هؤلاء الدائنين كان محصوراً بشركتي لازارد وكليري غوتليب، الاستشاريين المالي والقانوني للدولة اللبنانيّة منذ تعثّرها في سداد سندات اليوروبوند في شهر آذار الماضي. الشركان حرصتا منذ البداية على تحييد كامل تفاصيل الملف عن سجالات الداخل اللبناني، عبر وضع اليد على مسار المفاوضات من جميع جوانبه، وعدم تسريب أي من المداولات التي قاما بها مع الدائنين، ربما لإبعاد هذه التطورات الحساسة عن المزايدات السياسيّة التي قد ترتبط بملف المفاوضات، ولإدراكهم الحساسيّة القانونيّة لأي تفاعل محلّي غير محسوب مع مسار المفاوضات هذا.

الشركتان الاستشاريتان، تمكنتا حتّى اللحظة من ترويض الدائنين وإبعاد شبح الدعاوى القضائيّة في الخارج، على وقع مفاوضات الدولة مع صندوق النقد خلال الفترة الماضية، وعلى افتراض أن لبنان يتجه إلى صياغة برنامج مع صندوق النقد، يمكن في إطاره إعادة هيكلة الدين العام وفقاً لتفاهمات مع الدائنين المحليين والأجانب. مع العلم، أن هذا المسار كان يشهد طوال الفترة الماضية الكثير من التعقيدات، التي لم تبشّر بإمكانيّة حصول الكثير من التقدّم في المفاوضات مع صندوق النقد. خصوصاً بعد فشل لبنان في تنفيذ الغالبيّة الساحقة من الإصلاحات التي كان يشترطها وفد الصندوق. وهو ما رفع من احتمالات توجّه الدائنين إلى فتح مسارات قضائيّة في وجه الدولة اللبنانيّة قبيل سقوط حكومة دياب.

أما بعد سقوط حكومة دياب، ودخول البلاد في مسار المبادرة الفرنسيّة، فبات صبر الدائنين الأجانب مرتبطاً اليوم بإمكانية نجاح مبادرة ماكرون، وتحديداً من جهة قدرة هذه المبادرة على فرض الأجندة الإصلاحيّة التي جرى طرحها خلال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتي لا تختلف كثيراً في عناوينها العامّة مع الأجندة التي تحملها فرنسا اليوم بالنسبة للملف اللبناني. علماً أن الفرنسيين غير بعيدين أبداً في رؤيتهم للمشهد المالي والنقدي عن رؤية شركة لازارد الفرنسيّة، والتي تستند بشكل أساسي إلى المفاوضات التي انخرط فيها لبنان مع صندوق النقد من جهة، والمفاوضات التي قامت بها شركة لازارد نفسها مع الدائنين الأجانب والشركة الاستشاريّة الماليّة الخاصة بجمعيّة المصارف.

حسب مصادر باريسيّة مواكبة لمسار عمل الشركات الاستشاريّة، تتريّث الصناديق الاستثماريّة الدائنة اليوم بانتظار ما سيتمخّض عن المبادرة الفرنسيّة، خصوصاً أنّها تلمّست وبشكل مباشر من عدّة جهات رسميّة فرنسيّة جديّة إستثنائيّة في متابعة تفاصيل الملف المالي اللبنانيّة. كما أن هذه الصناديق باتت تدرك أن الثقل السياسي الذي تضعه فرنسا في هذا الملف، بات يرتبط بمصالح إستراتيجيّة حسّاسة بالنسبة للإدارة الفرنسيّة.

لكنّ الرهان على المبادرة الفرنسيّة لن يعني ترقّب تشكيل الحكومة وحسب، بل ونجاح الفرنسيّين لاحقاً في ترجمة رؤيتهم على أرض الواقع، في مجلس الوزراء والمجلس النيابي، وعدم تكرار سيناريو الإنقلاب على خطّة لازارد السابقة. ولذلك، يمكن القول أنّه من المبكر اعتبار أن المبادرة الفرنسيّة ستكون قد نجحت بمجرّد النجاح في إعادة إنتاج حكومة جديدة. بل ينبغي انتظار أجندة وتوجهات الحكومة المقبلة، وقدرتها على فرض الخطوات الإصلاحيّة المطلوبة.

المسار البديل
عمليّاً، تؤكّد المصادر نفسها بأن الصناديق الاستثماريّة باتت تتعاطى مع المسعى الفرنسي كآخر ما يمكن الرهان عليه لتفادي سيناريوهات الذهاب نحو مقاضاة الدولة اللبنانيّة في المحاكم الأجنبيّة. وفي حال فشل المبادرة في تشكيل الحكومة في المرحلة اللاحقة، أو في حال تشكيل الحكومة وعدم قدرة المبادرة على ترجمة الرؤية الفرنسيّة في خطوات إصلاحيّة عمليّة، فسيكون البديل استهداف أصول الدولة اللبنانيّة في الخارج عبر المسارات القانونيّة.

وفي هذا السياق، تدرك الصناديق الاستثماريّة صعوبة الوصول إلى وضع اليد على أصول مصرف لبنان في المصارف الأجنبيّة المراسلة، والتي تشكّل جزءاً من احتياطاته، خصوصاً كونها تشكّل أصولاً استثماريّة يستعملها مصرف لبنان كجزء من عمليّاته التقليديّة كمصرف مركزي. علماً أن المحاكم الأميركيّة تعترف في العادة بخصوصيّة المصارف المركزيّة، وتميّز أصولها المستخدمة في عملياتها التقليديّة عن أصول الدولة الأخرى، عند الدخول في نزاعات قضائيّة من هذا النوع. لكنّ الحصانة الممنوحة لأصول المصارف المركزيّة في المحاكم الأميركيّة غالباً ما تكون محدودة، بحسب طبيعة استعمالها ضمن المهمات التقليديّة للمصارف المركزيّة. كما سيصعب استهداف أصول الدولة السياديّة المرتبطة بتمثيلها الدبلوماسي في الخارج، كالقنصليات والسفارات، لكون القوانين الدوليّة تحظر المس بهذا النوع من الموجودات.

لكنّ في المقابل، سيكون لدى الدولة جملة من الأصول التي يمكن وضعها ضمن قائمة الاستهداف، كالجزء الموجود خارج البلاد من احتياطي الذهب، والذي سيسعى الدائنون حكماً للحجز عليه، مراهنين على إمكانيّة تصنيفه كموجودات لا تدخل ضمن الأصول الاستثماريّة المستخدمة تقليديّاً في عمليّات المصارف المركزيّة. ومن ناحية أخرى، سيراهن الدائنون على إمكانيّة استهداف بعض الأصول التجاريّة الأخرى المملوكة من الدولة أو مصرف لبنان، كطائرات شركة طيران الشرق الأوسط، والتي يملك مصرف لبنان الغالبيّة الساحقة من أسهمها، من دون أن تمثّل جزءاً من مهام مصرف لبنان كمصرف مركزي. كما يمكن أن يستهدف الدائنون بعض توظيفات المصرف المركزي في الخارج، والتي تشكّل جزءاً من احتياطاته بالعملة الأجنبيّة، إذا تلمّسوا أنّه بالإمكان إثبات عدم تناسب هذه التوظيفات مع عمليّات المصرف المركزي التقليديّة أمام المحاكم الأميركيّة.

السيناريو الجهنّمي
السيناريوهات الجهنّمية، التي بشّر بها رئيس الجمهوريّة، لن تحدث بالضرورة في حال الفشل في تشكيل الحكومة. فبعد التشكيل ونيل الثقة، ثمّة مسار طويل ينبغي أن ينطلق لصياغة خطة الإصلاح المالي، ومن الطبيعي أن يواجه هذا المسار شبكة متشعّبة وعميقة من المصالح الراسخة في النظام المالي اللبناني، تماماً كما حصل خلال الأشهر الماضية مع خطة لازارد السابقة. وفي حال فشل هذا المسار، فجهنّم لن تكون فقط استنفاد احتياطات المصرف المركزي والدخول في دوامة من التضخّم الجنوني، بل ثمّة مشاهد أخرى ينبغي أن نستعد لها، كالدخول في نزاعات قضائيّة في المحاكم الأجنبيّة مع صناديق استثماريّة شرسة ومخضرمة، ومتخصصة في استهداف ما يمكن استهدافه من أصول الدول والشركات المفلسة لتحصيل حقوقها.

يكفي أن نتذكّر أن الصناديق الاستثماريّة الأجنبيّة اشترت منذ حصول الإنهيار المالي في تشرين الأول الماضي ما يقارب 4.44 مليار دولار من سندات اليوروبوند من المصارف اللبنانيّة، وضمّت هذه السندات إلى المحفظة الموجودة بحوزتها أساساً من هذه السندات، لنفهم أن هذه الصناديق مازالت تراهن على إمكانيّة إجبار الدولة على سداد الديون، بمعزل عن الظروف الإقتصاديّة المحليّة، وأن بحوزة هذه الصناديق الشرسة الكثير من الأوراق التي لم تلعبها بعد في وجه لبنان