/

“التطبيع” يُحاصر اقتصادنا

ينأى لبنان بنفسه حتى اللحظة، عن توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، أو حتى تطبيع العلاقات بصورة أو بأخرى. هذا الموقف السياسي لا يحيّد لبنان عن التواجد الاقتصادي مع إسرائيل في الأسواق عينها، ولا يعفيه من سباق المنافسة مع بضائعها، وإن لم يتم الاعتراف بذلك رسمياً. فالمنتجات اللبنانية المُصدَّرة إلى الأسواق العالمية، وبرغم محدوديّتها، إلاّ أنها تتواجد مع البضائع الاسرائيلية في سوق واحدة.

ويشترك لبنان مع إسرائيل في علاقتهما بالشركات المتعددة الجنسيات، وهي الشركات التي تسيطر على الاقتصادات العالمية، وفي شتّى المجالات، بعيداً عن الشعارات والمواقف السياسية والأخلاقية. ولا يستطيع لبنان الاستغناء عنها، رغم إصداره قانوناً يجرّم التعامل مع أي شركة أجنبية “تعمل على تدعيم الاقتصاد الاسرائيلي”. فقانون مقاطعة إسرائيل الصادر في العام 1955 كانعكاس لمبادىء المقاطعة التي أقرّها مجلس جامعة الدول العربية في العام 1951، يجرّم التعامل مع الشركات الاسرائيلية، ويحظر التعامل مع الشركات التي تتعامل بدورها مع الشركات الاسرائيلية أو تفتتح فروعاً لها في إسرائيل. كما يحظر القانون تسيير الرحلات الجوية إلى إسرائيل، ويحظر التعامل مع شركات الطيران التي تقوم بنقل المهاجرين اليهود إلى فلسطين والأراضي العربية المحتلة أو التحليق أو المرور في الأجواء العربية. وكذلك يُدرِج البواخر والناقلات وغيرها من وسائل النقل البحري الأجنبية في القائمة السوداء، إذا ثبت أنها رست في أي ميناء اسرائيلي.

سقوط المقاطعة العربية
تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين، والتلويح بالمزيد من التطبيع مع دول عربية أخرى، يعني بأن قانون المقاطعة قد سقط رسمياً، بعد سقوطه على أرض الواقع بفعل انفتاح الأسواق العالمية على بعضها، واستحالة مقاطعة أي شركة من الشركات العابرة للقارات بحجة تعاملها مع إسرائيل، لأن الاقتصادات العربية، وخاصة الصغيرة منها كلبنان، لا تستطيع الخروج من السوق العالمي والتخلّي عن منتجات تلك الشركات. فلبنان يستورد أكثر من 80 بالمئة من حاجاته في مختلف القطاعات.

وبفعل التطبيع، تتّجه البضائع الإسرائيلية بشكل علني إلى غزو الأسواق العربية، ما يطرح احتمال دخولها إلى لبنان بشكل أو بآخر. كما أن بعض اللبنانيين أصبحوا عرضة للعمل مع إسرائيليين في شركات عربية، بفعل تعاقد شركات إماراتية وبحرينية مع شركات إسرائيلية، بعضها مصنَّف ضمن القائمة السوداء للأمم المتحدة والتي تضم 112 شركة إسرائيلية وعالمية تدعم الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة.
فهل يستطيع لبنان الصمود وسط هذه التحوّلات الكبيرة في العالم العربي، تحديداً على المستوى الاقتصادي؟.

إمكانية صمود الصادرات
يرى رئيس تجمع المزارعين والفلاحين ابراهيم الترشيشي، أن تطبيع بعض الدول الخليجية للعلاقات مع إسرائيل، “لن يؤثّر على التصدير الزراعي وحتى الصناعي، إلى الدول العربية. فهذه الدول تحب لبنان وتساعده وتعطي أفضلية لبضائعه”. ويشير الترشيشي في حديث لـ”المدن”، إلى أن “الاتفاقات السياسية لن تؤثّر على العلاقات التجارية بين لبنان والدول العربية. والتجربة المصرية والأردنية أبرز دليل على أن تطبيع العلاقات والاعتراف الرسمي باسرائيل، لا يُقفل الأسواق العربية في وجه البضائع اللبنانية. وما أثّر على تصريف البضائع هو الوضع الأمني في سوريا، حيث قطعت الطرق واقفلت المعابر، لكن لم يكن هناك قراراً أردنياً بعدم استقبال البضائع اللبنانية أو مرورها من الأردن على دول الخليج”.

من جانب آخر، “لا خوف من المنافسة الإسرائيلية للبضائع اللبنانية، فالبحرين مثلاً دولة صغيرة تأخذ سنوياً نحو ألف طن من المنتوجات اللبنانية، من أصل نحو 400 ألف طن يصدّرها لبنان إلى الدول العربية مجتمعة”.

وتجدر الإشارة إلى أن لبنان صدَّرَ في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، نحو 52 بالمئة من صناعاته، إلى الدول العربية، واحتلّت السعودية الوجهة الأولى، تلتها الإمارات ثم العراق فقطر، مصر، سوريا والأردن.

التفاؤل الذي يبديه الترشيشي، يستند إلى أن “إسرائيل تتعامل مع أسواق أفضل وأكبر من الأسواق العربية، ومنها أسواق أوروبا وشرق آسيا”. ويراهن الترشيشي على العامل الشعبي في الدول العربية، حيث “يفضّل الشعب العربي شراء المنتجات العربية، وهو أمر ملموس في الأردن حيث تدخل الأسواق الأردنية بضائع إسرائيلية بأسماء تجّار فلسطينيين، ومع ذلك، لا يشتريها الأردنيون لعلمهم أنها بضائع اسرائيلية بغلاف فلسطيني. وهذا أمر يؤخذ بعين الاعتبار لصالح البضائع العربية ومنها اللبنانية”.

نظام إقليمي جديد
بعيداً عن بعض الصادرات التي لا تُغني ولا تُثمِن اقتصادياً، فإن لبنان لا يملك قراراً اقتصادياً وازناً، بل هو مُلحَق حتى النخاع، شأنه شأن أغلب الأسواق العالمية التي ذابت حدودها بفعل العولمة. والتطبيع العربي الإسرائيلي، يساهم في إذابة المزيد من الحواجز التي يرفعها لبنان على المستوى الاقتصادي.

فالمنطقة العربية تشهد ولادة نظام إقليمي جديد، تختلف فيه المشاهد السياسية والاقتصادية عمّا ألِفناه على مدى سبعة عقود. فخارطة الموانىء للشاطىء الشرقي للبحر المتوسط، يُعاد رسمها على طاولة تجمع روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ومن خلفهما أوروبا وإسرائيل وتركيا والسعودية، فيما إيران تجاهد للتشبّث بفتات المصالح. ووسط هذا التغيير، يأتي الحديث عن تعزيز لدور ميناء حيفا الذي سيستفيد كثيراً من تدمير مرفأ بيروت.

كما أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة السعودية، تعمل على تعديل اقتصاداتها وتخفيف الاعتماد على النفط، وهو الجوهر الذي بُنِيَت عليه “رؤية 2030” التي وضعها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إذ تقوم الرؤية على وضع برامج تعمل على تعزيز جودة الحياة، تطوير القطاع المالي، تطوير قطاع الإسكان، تحقيق التوازن المالي، تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية وتنمية القدرات البشرية… وغيرها.

والنظام الإقليمي الجديد لن يقصي الشركات الإسرائيلية، بل سيعزّز مكانتها في المنطقة، “وإذا سيطَرَ هذا النظام وانتشر سيؤثّر سلباً على الاقتصاد اللبناني غير القادر على الصمود في هذا النظام. فنحن نتحدّث عن اتفاقيات تجارية واستثمارات سيكون لبنان خارجها”، وفق ما يقوله رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس نسيب غبريل، في حديث لـ”المدن”.

ويرى غبريل أن “البلدان العربية عبارة عن اقتصادات تتنافس مع بعضها لاستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات التكنولوجية والسياحية… وغيرها. وتعمل تلك الاقتصادات على تحسين قدرتها التنافسية. أما لبنان، فعليه أن ينظر إلى التحوّلات الحاصلة كسبب إضافي لتطبيق الإصلاحات الضرورية التي ترفع مستوى تنافسية الاقتصاد اللبناني وتفتح المجال أمام تعزيز المناخ الاستثماري المؤاتي لجذب رؤوس الأموال وتحسين بيئة الأعمال، عوضاً عن المناخ الطارد للاستثمار السائد حالياً”.

التأثيرات الاقتصادية للتطبيع العربي الإسرائيلي لا تؤخذ بالمفرَّق، بل بالجُملة، أي بمشهد شامل وهو التغيّرات الإقليمية التي على لبنان اتخاذ موقف سريع منها، لأن رسم المشهد الإقليمي أسرع ممّا يمكن للبنان احتماله، فلا قدرة للبنان على التأثير بمحيطه، وتحديداً في المجال الاقتصادي. ولم يعد خافياً على أحد دور مخزون الغاز في ترسيم المنطقة، وهو ملفٌ تتقدّم فيه إسرائيل على لبنان، فهي الجاهزة دوماً للتعاقد مع الشركات العالمية ولاستخراج مخزونها وتصديره إلى أوروبا، على عكس لبنان العالق عند عقبة الطريق التي سيصدّر غازه عبرها.