شروط عودة الثقة بالمركزي والقطاع المصرفي

/

كيف يمكن أن يستعيد القطاع المصرفي والنظام المالي في لبنان الثقة والمصداقية من جديد؟ وهل استعادة الثقة بالبلاد، في حال تم تشكيل حكومة مستقلّة والشروع بالاصلاحات، ستعني حتماً استعادة للثقة في النظام المصرفي؟ وما هو دور القطاع المصرفي في المرحلة المقبلة؟

يزداد الحديث في الفترة الاخيرة عن انّ حلّ الأزمة المالية والاقتصادية التي يعانيها لبنان يستوجب أوّلاً وأخيراً استعادة الثقة في البلاد، عبر تأليف حكومة مستقلّة والشروع بالاصلاحات المطلوبة والاتفاق على برنامج إنقاذ مع صندوق النقد الدولي. ورغم انه فعلاً الحلّ الوحيد للبدء بالنهوض مجدداً بالدولة، إلا انه لن يؤدي حتماً الى استعادة الثقة بالبلاد قبل 10 سنوات على الأقلّ، في حال تم السير بشكل جديّ ومُستدام بالاصلاحات. كما انّ هذه الاسس الاوّلية للشروع بعملية النهوض، قد تُفرج عن أموال «سيدر» وصندوق النقد الدولي والدول المانحة، إلّا انها لن تعيد ثقة المستثمرين والمودعين والرأسماليين والمغتربين الذين اعتمد النظام المالي والمصرفي والاقتصاد اللبناني على تدفقاتهم المالية منذ اكثر من 30 عاماً لتعويم نفسه وتمويل عجز الدولة.

يمكن طرح تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع، من أهمها:

– كيف يمكن أن يستعيد القطاع المصرفي الثقة، ويستعيد دوره كعمود فقري للاقتصاد؟

– كيف يمكن ان يستعيد المودع اللبناني والمغترب الذي حُرم من «جنى عمره»، الثقة بالقطاع المصرفي، ليقرر استئناف تحويل امواله الى لبنان؟ وهل يمكن استعادة الثقة قبل تحرير كل الودائع؟

– كيف يمكن استعادة ثقة المودعين الذين أخرجوا أموالهم لتشجيعهم على إعادة السيولة الكبيرة إلى البلاد من دون مصادرة أموالهم، كما دعا تعميم مصرف لبنان الرقم 154، والذي طلب من المصارف حَث عملائها على أن يودعوا في حساب خاص مجمّد لـ5 سنوات مبلغاً يوازي 15% من قيمة تحويلاتهم الى الخارج منذ تموز 2017 لغاية اليوم؟

– كيف يمكن استعادة الثقة بالبنك المركزي وهو ركيزة القطاع المصرفي، بعد الخلاف على أرقام خسائره بين مختلف الاطراف محلياً ومع صندوق النقد الدولي، وصولاً الى استقدام شركة عالمية للتدقيق المالي الجنائي في حساباته، مما يضع علامة استفهام على مصداقيته امام العالم بأكمله؟

– كيف يمكن لمصرف لبنان أن يستعيد الثقة والمصداقية وهو لم ينشر ميزانيته المدقّقة عن العام 2019 لغاية اليوم، علماً انّ البنوك المركزية حول العالم تنشر ميزانياتها في غضون 3 أشهر كحدّ أقصى من العام؟ مع الاشارة الى انّ مصداقية مصرف لبنان تنعكس على مصداقية المصارف وبياناتها المالية، مما قد يدفع البنوك الاجنبية المراسلة الى مقاطعتها، لأنّ جوهرها وركيزتها الاساسية، مصرف لبنان.

في هذا الاطار، أوضح الخبير في الاسواق المالية دان قزي انّ عبارة استعادة الثقة تعني العودة الى النظام المالي والمصرفي الذي كان قائماً والذي أوصل الوضع الى ما هو عليه اليوم، مشيراً الى انّ احد الوزراء في الحكومة المستقيلة سبق له ان أعربَ عن قلقه من ان تؤدي خطة الحكومة الى توقّف القطاع المصرفي عن الاقراض للقطاع الخاص على غرار ما حصل في قبرص، مما أدّى الى تعطّل الدورة الاقتصادية. إلّا انّ قزي شدّد على انّ المطلوب اليوم ليس استئناف المصارف لعملية الاقراض الاستهلاكي (شراء السلع، السفر…) التي ستؤدّي بطبيعة الحال الى خروج العملة الصعبة من البلاد، لأنّ ذلك سيؤدّي الى مزيد من العجز في ميزان المدفوعات. وأوضح قزي لـ»الجمهورية» انّ تراجع الدخل القومي نتيجة توقف المصارف عن الاقراض ليس بالمؤشر السلبي لأنه سيساهم في التأسيس لنظام جديد لا يعتمد على الاقراض بالطريقة التقليدية، بل على اقراض ودعم المصدّرين من اجل جذب العملة الصعبة للبلاد.

وشدّد قزي على انّ المطلوب في المرحلة المقبلة، ليس استعادة الثقة لجذب ودائع جديدة من اجل استخدامها لسحب الودائع القديمة المحتجزة، بل استعادة الثقة بسبب اعتماد نموذج جديد في عمل القطاع المصرفي يبدأ من خلال الاعتراف بالخسائر واقتطاعها وتوزيعها عبر الـhaircut والـ bail in، وإعادة هيكلة المصارف… مؤكداً انّ استعادة الثقة بالقطاع المصرفي يمكن ان تحصل بعد سنتين من توزيع الخسائر، كما حصل في قبرص، «إلّا انّ استعادة الثقة في لبنان لا يمكن ان تحصل في حال استمرّت عملية تأجيل الحلّ وعدم الاعتراف بالخسائر واقتطاعها من حسابات مختلف الاطراف المعنيّة. لا يمكن استعادة الثقة وأموال المودعين محتجزة عاماً وراء عام وراء عام».

وشدّد قزي على ضرورة تغيير نموذج العمل في القطاع المصرفي من اجل استعادة الثقة، لأنّ «جذب رؤوس الاموال وتوظيفها لتمويل عجز الدولة او تثبيت سعر صرف الليرة وتكديسها محليّاً ليصبح حجمها 3 و4 أضعاف حجم الناتج القومي، ليس بالنموذج السليم، بل انّ توظيف السيولة يجب ان يصبّ في الاعمال المُربحة في لبنان وجميع أنحاء العالم.

وبالنسبة لفقدان المصارف مصداقيتها امام البنوك المراسلة، قال قزي انّ الاخيرة تعاني هي أيضاً مشكلة بسبب تغاضيها طوال تلك الفترة عن سلوك المصارف اللبنانية، «كذلك الامر بالنسبة لشركات تدقيق الحسابات العالمية مثل Ernst & Young و PricewaterhouseCoopers، والتي دققت في حسابات المصارف اللبنانية لسنوات ولم تأت على ذكر المغالطات الواردة في ميزانياتها، والدليل على ذلك ما يحصل اليوم حيث بدأت تلك الشركات هذا العام بإصدار آراء سلبية ومخالفة للحسابات المدققة للبنوك اللبنانية، خصوصاً التي شاركت في الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان، وذلك من أجل تبرئة ذمتها».

Previous Story

فيلُ "المركزي" وسط "كريستال" الاقتصاد

Next Story

إلى المودعين: هكذا خسرتم أموالكم

Latest from Arabic

%d bloggers like this: