صراع خرائط الغاز يحاصر تركيا: ماذا تفعل البوارج عندنا؟

/

لربما تكون المصادفة قد تحكّمت بموعد الإعلان عن الاكتشاف الذي أعلنته تركيا لحقل غاز في البحر الأسود. لكن اللحظة الملتهبة للصراع على الغاز في شرق المتوسط، تفتح الشهية على افتراضات مختلفة.

جاء الاكتشاف المعلن بنحو 11.3 تريليون قدم مكعبة فيما كانت سفن التنقيب التركية تثير الصخب في البحر المتوسط، وفيما حرب الخرائط البحرية على أشدّها بين تركيا واليونان ومصر وليبيا وقبرص وإيطاليا، واستطرادا بين لبنان وإسرائيل. تلك الحرب انبرت لها فرنسا كطرفٍ متدخّلٍ يلقي بثقله العسكري لإرساء معادلة ردع للأتراك.

على مدى العقدين الماضيين، كانت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط مستجدّاً استراتيجياً كبيراً. بدأ الأمر باكتشاف إسرائيل حقلي ليفيثان وتمار قبالة حيفا، باحتياطيات قابلة للاستخراج تقارب 20 تريليون قدم مكعبة. وجاء بعدها الاكتشاف الأكبر في حقل ظُهر المصري عام 2015، باحتياطيات تقارب 30 تريليون قدم مكعب، تلاه اكتشاف أصغر حجماً في حقل أفردويت القبرصي بنحو 6 مليارات قدم مكعبة.

شرّعت تلك الاكتشافات الباب لمسارين في الصراع الجيوسياسي: صراع لرسم خرائط المناطق الاقتصادية الخالصة في معرض البحث عن اكتشافات جديدة في مياه المتوسط، وصراع لرسم خطوط إمدادات الغاز.

في الشقّ الأوّل، تسعى تركيا لإعادة رسم الخرائط التي ختمتها الحرب العالمية الأولى بالشمع الأحمر. كانت خريطة معاهدة لوزان عام 1923 قد ألزمت تركيا حدود البرّ، وأعطت اليونان معظم الجزر المأهولة وغير المأهولة في المياه الفاصلة بين البلدين في بحر إيجه وعلى ساحل المتوسط إلى الجنوب من أنطاليا، بما في ذلك جزيرة كاستيلوريزو التي لا تبعد عن البرّ التركي سوى كيلومترين. تلك الجزيرة التي لا تزيد مساحتها على تسعة كيلومترات مربعة، تضيف إلى المنطقة الاقتصادية اليونانية (مع جزر أخرى صغيرة) عشرات آلاف الكيومترات في عرض البحر، وهو ما لا تقبل به تركيا. هذا هو الشق الواضح في الصراع الذي دفع تركيا لتوقيع اتفاقية مع حكومة فايز السراج في ليبيا، لرسم حدود مائية مختلفة، والدفع بسفن التنقيب التركية إلى المناطق المتنازع عليها.

لكن ثمّة شق آخر للصراع لا يقلّ أهمية، ويتمثّل برسم خطوط تصدير الغاز إلى أوروبا. عملت تركيا طويلاً لترسيخ مكانتها كمركز لتجارة الغاز بين روسيا وأذربيجان من جهة، وأوروبا من الجهة الأخرى، مستفيدة من عوامل عدّة من بينها رغبة روسيا بتقليل الاعتماد على أوكرانيا في تصدير الغاز. وهكذا، بات الغاز الروسي يصل إلى أوروبا عبر خطي الأنابيب “بلوستريم” و”ترك ستريم” الذي تمّ تدشينه مطلع هذا العام. وكذلك، بات الغاز يصل من أذربيجان إلى جنوب أوروبا، من خلال ما يعرف بكوريدور الغاز الجنوبي، والذي يشمل خط الأنابيب العابر للأناضول (TANAP)، المتصل بخط الأنابيب عبر الأدرياتيكي (TAP)، والذي يمرّ عبر اليونان وألبانيا إلى إيطاليا ودول البلقان.

لكنّ خريطة إمدادات الغاز الأوروبية تتبدّل بسرعة، لسببين رئيسيين:

– التنامي السريع لصناعة الغاز المسال، بفضل الاستثمارات الأميركية والأسترالية الضخمة في هذا القطاع، لتشكّل بديلاً “اقتصادياً” لتجارة الغاز عبر الأنابيب. ويبذل الرئيس الأميركي دونالد ترامب جهوداً دبلوماسية كبيرة لإقناع الأوروبيين بزيادة الاعتماد على الغاز المسال الأميركي، بالموازاة مع التهديد بسلاح العقوبات لعرقلة مشروع “نورد ستريم 2″، لإيصال الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.

– اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، والتي ربما توفّر خط إمداد تحبّذه أوروبا للحدّ من الاعتماد على الغاز الروسي، وعلى البوابة التركية.

في ظلّ ذلك، تبرز أهمية تنامي دور مصر كمركز لتجارة الغاز المسال في المنطقة، خصوصاً وأنّ لديها محطتين لإسالة الغاز في دمياط وإدكو، يمكن استخدامهما لتصدير الغاز من إسرائيل وقبرص، وربما لبنان، إلى أوروبا. ولذلك، كان الصوت التركي مرتفعاً في الاعتراض على تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضمّ سبع دول من بينها مصر وإسرائيل والأردن واليونان قبرص. كما تنظر تركيا بعين القلق إلى مشروع خط أنابيب شرق المتوسط، من إسرائيل إلى اليونان عبر قبرص، ولو أنّ الشكوك تحيط بالقدرة على تمويله من البنوك حتى الآن.

وسط صراع الخرائط، بدت تركيا في الأسابيع الأخيرة محاصرةً في مياه المتوسط من دون حليف: اليونان إلى الغرب منها، توقّع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع مصر إلى الجنوب، وبينهما النفوذ اليوناني الخالص في قبرص. وما وراء اليونان مساندة من إيطاليا المنخرطة في جهود الاستكشاف والتنقيب في مصر وقبرص ولبنان من خلال شركة Eni. وفي الجانب المقابل جنوباً قوات الجنرال خليفة حفتر في الشرق الليبي من الحدود المصرية وصولاً إلى سرت والهلال النفطي الليبي. وإلى جهة الشرق، تبدو إسرائيل أقرب إلى اليونان وقبرص ومصر. وفي سوريا لا يمكن للأتراك أن يرتاحوا للقبضة الروسية على السواحل والموانئ.

على هذه الخلفية، يمكن قراءة مشهد البوارج الحربية الراسية في مرفأ بيروت المدمّر، لاسيما الفرنسية منها. فباريس تولي اهتمامها لما تسمّيه “دبلوماسية القوة” تجاه تركيا. ومن أجل ذلك، تجدّد نفوذها في لبنان، ليكون مرتكزاً لحضورها في شرق المتوسط. لكن إيمانويل ماكرون إذ يعود بعد مئة عام إلى كرسي الجنرال غورو في قصر الصنوبر، يجد بيروت تحت سطوة نفوذ مختلف يمتدّ من دمشق إلى طهران. سيكون عليه إذ ذاك أن يختار المواجهة أو اللقاء برئيس كتلة “حزب الله” محمد رعد سرّاً، ثم الاختلاء به علناً “على الواقف”.

تبدو فرنسا ماكرون مستعدّة للتآلف مع السطوة الإيرانية على السياسة في بيروت، كما تآلفت فرنسا شيراك مع “الوجود الشرعي والضروري والموقّت” لسوريا في لبنان التسعينات. لكنّ أدوات إيران تبدو أكثر تجذّراً في السياسة والأمن. وربما سيكون على فرنسا أن تدفع ثمناً ما إذا أرادت لنفوذها أن يجاور الإيرانيين من دون إزعاج.

أما تركيا، فلن يحوّلها اكتشاف البحر الأسود إلى منتج كبير للغاز في المدى القريب. لكنه ربما يسمح لرئيسها رجب طيب أردوغان بالانكفاء إلى ملعب آخر، والتوصّل إلى تهدئة في مياه المتوسط، إذا حانت لحظة البراغماتية.

Previous Story

فكّ الحصار "الكوروني": زيف القرارات لم يعد ينطلي على قطاع الأعمال

Next Story

أزمة الدولار في المصارف تتفاقم ولجنة الرقابة تتدخّل

Latest from Arabic

%d bloggers like this: