تمويل البنك المركزي للدولة وخطة الدولة للمركزي: ما لهما وما عليهما12 min read

Arabic/إقتصاد عام

لأنّ السياسة النقدية من أدق فروع العلوم الاقتصادية وأكثرها حاجة للمتابعة المستمرة ولا تحتمل التطرّق لها عرضاً وعلى غفلة على طريقة «سيرة وانفتحت»، ولأنّ قانون النقد والتسليف من أكثر النصوص حرفية على ما يُجمع عليه كبار القانونيين كما المصرفيين والمتخصصين بالسياسة النقدية، لا بدّ من الاضاءة على الشق المتعلّق فيه بتمويل الدولة بشكل كلّي وليس مجتزأ لاصطفافات مسبقة. ومنها يكون الإنطلاق صوب خطة الدولة الانقاذية بما يتعلّق تحديداً بالبنك المركزي والنظام المصرفي، لصعوبة تناول جميع بنود الخطة والقطاعات المعنية بها دفعة واحدة، إذا أردنا فعلاً إعطاء كل منها حقها. فكيف تبلورت حقيقة إشكالية تمويل المصرف المركزي للدولة وخياراته في النقد والقطع؟ وأي رؤية حملتها بالمقابل الدولة نفسها تجاه المصرف المركزي والجهاز المصرفي؟

عندما نتحدث في الاقتصاد على استقلالية المصرف المركزي، نعني بها تحديداً استقلالية السلطة النقدية عن السلطة السياسية، بحيث تكون للمصرف المركزي حرّية تحديد خياراته في اعتماد السياسة الأنسب للحفاظ على الاستقرار النقدي في الشق الداخلي عبر ضبط التضخم، وفي الشق الخارجي عبر الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية. ومن المعروف إقتصادياً، أنّ مفهوم استقلالية المصرف المركزي يعتمد على ثلاث ركائز أساسية: الاستقلالية القانونية في النصوص، الاستقلالية الفعلية في الممارسة، والاستقلالية المالية في حسابات المصرف المركزي تجاه الدولة.

وأبعد من الغرق في نصوص القانون لاستقلالية المصرف المركزي، من المادة 13 للاستقلالية المالية، ثم الاشارة الى المادة 18 التي تنصّ على أنّ الحاكم يُعيَّن لست سنوات بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية.. ويُعيّن نائبو الحاكم لخمس سنوات بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية واستشارة الحاكم…والمعلوم أنّ الأساس يكمن في الاستقلالية الفعلية والهامش المتاح لممارستها، بحسّ رجل الدولة المؤتمن على التوازن المطلوب بين الهدف الاساس للسلطة النقدية بتأمين استقرار القدرة الشرائية للعملة الوطنية، والحوار الضروري مع السلطة المالية، بما يسمح بالتوفيق بين حاجات تمويل الاقتصاد ومسؤولية استمرارية عمل الدولة، في ظلّ صعوبة تأمين آفاق التمويل الأخرى، ووسط تحدّيات الدولرة والمديونية.

 

ولطالما شدّدت الأدبيات الاقتصادية، وخصوصاً مع الموجة الكلاسيكية في الثمانينات، على أنّ تحقيق الهدف الرئيسي للمصرف المركزي، بتأمين الاستقرار النقدي، لا يمكنه أن يتحقّق إلّا من خلال الفصل التام للسياسة النقدية للمصرف المركزي عن السياسة المالية للحكومة ووزارة المال، خصوصاً لتفادي لجوء الحكومة، متمثّلة بوزارة المال، لطلب تغطية عجوزاتها المالية، من خلال تدخّل المصرف المركزي، إن كان عبر ضخ السيولة وتحمّل انعكاساتها التضخمية الفورية، أو من خلال الضغط على المصرف المركزي للمساهمة في الدين العام عبر الاكتتاب بسندات الخزينة والتفاوض حول شروطها بالكمية والآجال ومستوى الفوائد…أو طبعاً اللجوء الى افتعال زيادة في السيولة، واصطناع نهضة عابرة في الأسواق في فترات محدّدة، مثل الفترات التي تسبق الإنتخابات، لإحداث صدمة إيجابية وهمية لا تلبث أن تتحوّل كابوساً تضخمياً يصعب ضبطه، دون أن تكون مساهمة بنمو إقتصادي حقيقي وخلق فرص العمل المطلوبة والتسبّب بتدهور سعر الصرف في السوق، وإلّا الاضطرار المستمر لدعمه، لو باستنزاف الاحتياطي بالعملة الأجنبية، خصوصاً تحت ضغط حالات الدولرة الجزئية، التي تتطلّب ربط العملة الوطنية بالعملة الأجنبية المستخدمة الى جانبها، لتأمين الحد الأدنى من التوازن في سوق مفتوح على حرّية حركة الرساميل، حيث يستحيل تحقيق في آن معاً استقلالية السياسة النقدية وحرّية حركة الرساميل من والى الخارج وتثبيت سعر الصرف في الوقت نفسه، فكيف إذا أُضيفت الى هذه العوامل عجوزات مالية متزايدة وتراكم مديونية على شكل كرة ثلج؟…

مبدئياً، وابتداء من العام 1964، تاريخ إنشاء المصرف المركزي، تولّى هذا الأخير مهمة الحفاظ على ثبات سعر صرف العملة اللبنانية بالتعاون مع وزارة المال، كما أوكل اليه «قانون النقد والتسليف» الذي صدر في ذلك الوقت في المادة 75 منه، وذلك بعد أن نصّت المادة 228 من هذا القانون على الغاء ادارة القطع، وتحويل موجوداتها الى المصرف المركزي. كما نصّت المادة 75 منه، على إيكال مهمة تثبيت القطع الى المصرف المركزي، بالاتفاق مع وزارة المالية، على ان تسجّل العمليات التي تجري ضمن هذا الاطار في حساب خاص، يُسمّى «صندوق تثبيت القطع».

 

وبما هو أبعد من مجرد إدارة سعر صرف العملة، عكس مضمون «قانون النقد والتسليف» اهتماماً بإيجاد حد أدنى قانوني من استقلالية المصرف المركزي تجاه السياسات الحكومية، وبأن يكون هدف السياسة النقدية التي يعتمدها، الحفاظ على ثبات قيمة العملة الوطنية، وبما يجعل هذا الهدف أولوية لديها، أي ينفي وجود اهداف أخرى لها، كالإسهام بتمويل الخزينة أو تحفيز النمو الاقتصادي، إلّا في الإطار العام لرسالة المركزي كمصرف المصارف ومصرف الدولة طبعاً.. وأكّدت على ذلك المواد 88 الى 92 منه، التي نصّت على عدم جواز توفير سلفات من المصرف المركزي للدولة، إلّا في الحالات الاستثنائية البالغة الدقة. وقد جاء فيها ما حرفيته في «المادة 88 أنّه يجاز للمصرف ان يمنح الخزينة، بطلب من وزير المالية، تسهيلات صندوق لا يمكن ان تتعدّى قيمتها 10 بالمئة من متوسط واردات موازنة الدولة العادية في السنوات الثلاث الاخيرة المقطوعة حساباتها، ولا يمكن ان تتجاوز مدة هذه التسهيلات 4 اشهر. والمادة 89 تعطي الحكومة إجازة دائمة تخوّلها اللجوء الى الاستلاف المنصوص عليه بالمادة السابقة، كلما تبيّن لوزارة المالية وللمصرف المركزي انّ موجودات الخزينة الجاهزة لدى هذا المصرف غير كافية لمواجهة التزامات الدولة الفورية. الّا انّ هذه الإجازة لا يمكن استعمالها اكثر من مرة واحدة خلال اثني عشر شهراً.

وتكمل المادة 90 ، أنّه باستثناء تسهيلات الصندوق المنصوص عليها بالمادتين 88 و89 فالمبدأ ان لا يمنح المصرف المركزي قروضاً للقطاع العام. الّا انّه المادة 91 ، في ظروف استثنائية الخطورة او في حالات الضرورة القصوى، اذا ما ارتأت الحكومة الاستقراض من المصرف المركزي، تحيط حاكم المصرف علماً بذلك. ويدرس المصرف مع الحكومة امكانية استبدال مساعدته بوسائل اخرى، كإصدار قرض داخلي او عقد قرض خارجي او اجراء توفيرات في بعض بنود النفقات الاخرى او ايجاد موارد ضرائب جديدة الخ…وفقط في الحالة التي يثبت فيها انّه لا يوجد أي حل آخر، واذا ما اصرّت الحكومة، مع ذلك، على طلبها، يمكن المصرف المركزي ان يمنح القرض المطلوب. حينئذٍ يقترح المصرف على الحكومة، ان لزم الامر، التدابير التي من شأنها الحدّ مما قد يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة، وخصوصاً الحدّ من تأثيره، في الوضع الذي أُعطي فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية.

يعني بلغة مبسّطة، إما زيادة الضرائب وإما طبع النقد وإما الاستدانة (ان بالليرة أو العملة الأجنبية). فحين تعجز الضرائب عن تأمين تغطية الانفاق، ويتفادى المصرف المركزي طبع النقد مثلما حصل، لا يبقى إلّا الاستدانة كما حصل بالضبط. وتمويل البنك المركزي للدولة لم يتضارب مع المادة 91، لأنّه لم يكن على طريقة طبع النقد! بل عبر شراء المصرف المركزي لجزء من سندات الخزينة وإدراج القطاع المصرفي أيضاً بعملية الاكتتاب المذكورة، بحيث أصبح مجمل الجهاز المصرفي غارقاً في تمويل القطاع العام، وضعف امكانية اجتذاب سواه للاكتتاب بسندات خزينة، ترتفع مخاطرها ويتراجع تقييمها السيادي بشكل متتالٍ من مؤسسات التصنيف الدولية، في ظل استمرار تدهور وضع المالية العامة، التي أخذت ترفع الفوائد تعويضاً عن مخاطر حمل سنداتها، فتغرق زيادة بنفقاتها الجارية وحجم الدين، بدل الإصلاح وترشيد الإنفاق! هذا الإنفاق الجاري الموزّع بين 40 % فوائد دين و40 % رواتب قطاع العام و11% للكهرباء، والباقي مصاريف تشغيلية لا تترك بصيصاً للانفاق الاستثماري ولا بريقاً للخروج من دوامة الاستدانة، لا بل تزيد التوظيف وتقرّ سلسلة رتب ورواتب غير محسوبة بدقة قبيل الانتخابات، وتستمر بزيادة المخاطرة وتعويضها بالفوائد، على الرغم من سلسلة تصاريح منذ 2011 من الجهاز المصرفي، بصعوبة الاستمرار بتمويل القطاع العام في غياب الاصلاحات، فيأتي الرد وعوداً للدول المانحة بالإصلاح غير المنظور، حتى تضمحلّ ثقة المجتمع الدولي ويختنق الاقتصاد، من تراجع ميزان المدفوعات منذ 2011، ويتجمّد العمل المؤسساتي مراراً وتكراراً، وسط تجاذبات تطيح حركة الرساميل والسياح والاستثمار في البلاد، وتتمّ المسارعة الى سياسات نقدية غير تقليدية سُمّيت «هندسات مالية»، من أبرز خلفياتها إعادة تعزيز الاحتياطي بالعملات الاجنبية للمصرف المركزي، للاستمرار في سياسة تثبيت سعر الصرف تحت ضغط الدولرة والدين العام، وربط العملة وحرّية حركة الرساميل، الذي يسمح بخطر هروبها…كما من أبرز نتائجها التي تمّ التهليل لها حينها، استفادة الخزينة من حوالى 800 مليون دولار بالليرة اللبنانية، أي مليار و 200 مليون ليرة، شكلّت ضريبة أرباح 15% فُرضت على مردود المصارف الذي قُدّر حينها بحوالى الـ5 مليارات دولار، جاءت لتسعف الدولة لتغطية سلسلة الرتب والرواتب، التي قُدّرت حينها بالمبلغ نفسه (وطبعاً جاءت فعلياً أكثر بكثير، وطبعاً تزيد الإنفاق سنوياً وليست عملية سنة واحدة كما هي حال الهندسات الاستثنائية).. فيما المصارف دفعت الضريبة مع إعلانها أنّ المبالغ لم تُوزّع كأرباح، بل شدّد المصرف المركزي على أن يتخصّص جزء منها لزيادة رسملة المصارف، ويُخصّص جزء لتمويل صندوق خاص لإعادة الاكتتاب بسندات خزينة من جديد، وجزء ثالث يُخصّص لتأمين قروض بالليرة اللبنانية، مدعومة بفوائد مخفّضة للقطاعات، ولاسيما منها الإسكان، لتمكين شريحة من المجتمع من شراء منزل، خصوصاً قبل إقرار قانون تحرير الايجارات الجديد…

 

على خط آخر، وبما أنّ المصرف المركزي هو مصرف الدولة، فتحدّد بكل وضوح المادة 113 أنّ الربح الصافي للبنك المركزي يتألف من فائض الواردات على النفقات العامة والاعباء والاستهلاكات وسائر المؤونات. ويُقيّد 50 % من هذا الربح الصافي في حساب المصرف المركزي يُسمّى «الاحتياطي العام» ويدفع 50 % الى الخزينة. وعندما يبلغ الاحتياطي العام نصف رأسمال المصرف يُوزع الربح الصافي بنسبة 20 % للاحتياطي العام و80 % للخزينة. واذا كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، تُغطى الخسارة من الاحتياطي العام، وفي حال عدم وجود هذا الاحتياطي او عدم كفايته، تُغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة. واذا اصبح رصيد حساب «الاحتياطي العام» من جرّاء اقتطاع مبلغ بموجب الفقرة السابقة، اقل من نصف الرأسمال يجري توزيع الربح الصافي مجدداً بنسبة 50 % لهذا الحساب و50 % للخزينة، الى ان يبلغ الحساب مجدداً نصف الرأسمال.

أما في الخطة الإصلاحية للحكومة، التي تحمل الكثير من الايجابيات ووضع النقاط على الحروف في مجالات كثيرة، وترسم خطوات تبدو هادفة نحو الإصلاح، فمن الملفت والصحيح إشارتها الى «خسائر كبيرة تتضمنها ميزانية المصرف المركزي، ينبغي معالجتها سريعاً لإعادة بناء نظام نقدي موثوق به وإعادة بناء الثقة بالنظام». ولكن السؤال، ما هو جوهر هذه الخسائر لضمان عدم تكرارها؟ بأي خيارات بالنقد والقطع كانت متّصلة، وكيف كان يمكن تفاديها حتى لا تتمّ إعادتها ذاتها، في غياب أي متغيّرات أخرى من العوامل المرافقة لها؟ كذلك بالنسبة للإشارة الى الخسائر في القطاع المصرفي، أي المصارف التجارية، نظراً الى انكشافها السيادي، أي على سندات الخزينة، إن بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي، وكذلك على المصرف المركزي، عبر التوظيف الهائل بشهادات الإيداع، التي اجتذبت صوبها معظم الإدخار في غياب فرص استثمارية أخرى تحمل مردوداً موازياً مما حصل على حساب تمويل الاستثمار الخاص والنمو وخلق فرص العمل، علماً أنّ الاستثمار بدوره ليس فقط عملية بحت تقنية، مرتبطة بشكل حصري بالتأثّر فقط بمعدّل الفائدة على أهميته، فالاستثمار يتطلّب مناخاً إستثمارياً قبل أي شيء آخر، وإلّا حتى لو أصبحت الفائدة صفراً قد لا تغيّر شيئاً!

من هنا أيضاً، وعلى الرغم من تضييق نطاق الـ Bail in وحصره بالشرائح العليا من الودائع، بما أراح الأكثرية من المودعين، ولاسيما من له مبلغ متواضع ناتج من تعويض نهاية خدمة أو تعب سنوات من الجهد، إلّا أنّه ينبغي ألّا يشكّل التوجّه حتى الى كبار المودعين، دافعاً الى هروبهم وندمهم على الاستثمار والتوظيف في لبنان، لا بل رسالة لأمثالهم من مقيمين ومغتربين، ممن جهدوا وكوّنوا مؤونات تسمح لهم بتأسيس أعمال في لبنان، أن يتفادوا تكرار هكذا تجربة ويحذّروا سواهم منها، مما يضيّق الاستثمار والنمو أكثر فأكثر…

أما في ما يخصّ سياسة سعر القطع وارتباطها الضروري بوضع ميزان المدفوعات، فمسألة معروفة علمياً، وأمرٌ لا بدّ منه ولو أنّ التوقيت كان يمكن أن يكون أنسب مثلاً، بعد صدمة إيجابية ومناخ هادئ، يهيئ العملاء الاقتصاديين ويضعهم تدريجياً في جو تحرير تدريجي، من منطلق قلّة الحاجة للدعم وليس عدم القدرة على الاستمرار به! أما وقد حصل توقّف القدرة عن الاستمرار بالتدخّل في سوق القطع، من خلال احتياطات لدى المصرف المركزي، فأصبحنا أمام أمر واقع، وليس خيار سياسة قطع.. بكل الأحوال ليس هنا صلب المشكلة، بقدر ما هو في وضع ميزان المدفوعات بحدّ ذاته، حيث أنّه ليس دقيقا أنّ «تدفق الرساميل توقّف حالياً بشكل فجائي»، إذ لا هو توقّف فقط حالياً، ولا هو بشكل فجائي شهد تدهوراً منذ العام 2011 ، وبالتالي أي عملية ربط علمي في مكانها، بين وضعها وسعر الصرف، تحتاج أولاً الى تحديد أسباب تدهور وضع ميزان المدفوعات والتدقيق في أسباب صعوبة اجتذاب الرساميل، بما يغطي عجز الميزان التجاري كما كانت العادة تقليدياً، والّا ما الذي سيضمن اتجاه ميزان المدفوعات مستقبلاً ومنحى سعر الصرف خصوصاً أيضاً، في ظلّ تزايد الفجوة بين ودائع بالدولار وموجودات الجهاز المصرفي بالعملة الأجنبية، التي تحتاج بدورها تحديداً للأسباب وتفادياً للتكرار؟

 

أما بشأن الإيجابيات النظرية لانخفاض سعر الصرف بالمطلق، لجهة تحفيز الصناعة المحلية وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية، وبالتالي زيادة الصادرات، على ما كان نصح به وتراجع سابقاً صندوق النقد الدولي، فهو أمر متعثّر عملياً في لبنان، نظراً للاعتماد الكبير للصناعة المحلية على المواد الأولية والمدخلات المستوردة، التي ترتفع أسعارها بطبيعة الحال مع كل تدهور لسعر الصرف، فترتفع من جديد كلفة الانتاج ويستغيث من جديد الصناعيون بالمصرف المركزي والدولة اللبنانية، لدعم يصعب تحقيقه طبعاً حالياً…والدليل هو ارتفاع مجمل اسعار السلع اليوم في السوق حتى المنتجة منها محلياً!

أما فائض السيولة المتسبّب بتضخّم، فمسألة معروفة، إلّا أنّ الاقتصاديات المدولرة لا يجدي فيها اعتماد سياسة ضبط السيولة بسياسة نقدية متشدّدة فقط دون ضبط سعر الصرف، كون معظم السيولة المتداولة فيها هي بالعملة الأجنبية، وبالتالي أي تدهور بسعر الصرف يستجلب «تضخّماً مستورداً» لأنّه يجعل المنتجات المستوردة أغلى، خصوصاً في إقتصاد يستورد 80 % من حاجاته الاستهلاكية.

في حين أنّ القطاعات الزراعية والصناعية كانت تنادي مراراً وتكراراً لاعادة النظر بالعديد من المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف وخصوصاً منذ العام 2005 ، وبلوغ مرحلة التحرير التام، وفق اتفاقية التيسير العربي (غافتا). ولطالما طالبت، وكان لنا فرصة التعاون معها جميعاً، في إطار مركز «قدموس» للحدّ من المنافسة غير المشروعة، وإقرار قانون مكافحة الإغراق والتشدّد في الروزنامات الزراعية والمعاملة بالمثل في التبادل الصناعي، إزاء رسوم غير جمركية مماثلة لها في بلدان عديدة، قلّصت القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية. وقد تمّ تقديم «ورقة القطاع الخاص اللبناني بشأن إتفاقيات تحرير التجارة» الى جميع المعنيين، بغية رفعها أيضاً الى الجامعة العربية حينها، بمشاركة كل من جمعية الصناعيين وجمعية المزارعين وجمعية أصحاب المطاعم والمؤسسات السياحية ونقابة أصحاب الفنادق ونقابة أصحاب سيارات الشحن وجمعية التجارة والعديد من النقابات القطاعية، وأعلنت المطالب كلها في مؤتمر صحافي عقد في غرفة الزراعة والصناعة والتجارة لبيروت وجبل لبنان…وبقيت المطالب نفسها الى اليوم…

أما اليوم، وفي البحث عن التحرير التدريجي الذي سبق وعرفه لبنان، ولكن بالاتجاه المعاكس، عندما تمّ تخفيض سعر الصرف تدريجياً بين 1993 و 1997 تمهيداً للربط عام 1997 بما كان يحضّر السوق نحو منحى تهدئة. ولكن، الى أي مدى يمكن التحكّم بالسوق والتضخّم، عندما يكون المنحى معاكساً، أي باتجاه ارتفاع سعر الصرف وليس تخفيضه.. فيبقى السؤال حول مدى تجاوب السوق مع المراحل أو مسابقتها لتخطّيها…

أما في ما يتعلّق بخيار ربط الليرة اللبنانية بعملة أجنبية واحدة، فقد سبق وطُرح جدل حوله، نظراً لما كانت تتعرّض له قيمة العملة الوطنية من اهتزاز كلما تغيّرت قيمة الدولار نفسه بالنسبة لسائر العملات الأجنبية، ولا سيما تلك التي تمثّل بلدانها شريكاً تجارياً بارزاً للبنان (مثلاً الأورو)، لذا كان طُرح في مرحلة ما إيجاد صيغة ربط إزاء سلة من العملات بشكل نسبي، وفقاً لحجم التبادل التجاري مع بلدانها كشركاء تجاريين أساسيين مع لبنان… مع توسيع هامش الربط وجعله أكثر مرونة..

يبقى الأساس، أن يتجاوب السوق ويثق بالخيارات المتخذة وآفاقها، ويجدها مطمئنة ومقنعة. كما المهم على خط موازٍ أن تجد الخطة طريقها باتجاه البلدان المانحة والمنظمات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، كما ذكرت، ليس فقط للمبالغ الداعمة التي يمكنه أن يؤمّنها مباشرة، بل لمتابعته الدائمة المطلوبة خطوة خطوة للاصلاحات المرجوة، ورفعه التقرير حول تقدّمها، بما يعزز الثقة ويستقدم إستثماراً أجنبياً واعداً. وهنا أهمية الخطة وحسن تطبيقها.