أسعار النفط تسمح بزيادة التغذية5 min read

Arabic/إقتصاد عام

تعيش «كهرباء لبنان» بين نعمة انخفاض أسعار النفط ونقمة ارتفاع سعر الدولار. الأولى تسمح بزيادة الإنتاج من دون تخطّي سقف السلفة المقرّة في مجلس الوزراء، والثانية تهدد بتوقف المعامل عن الإنتاج. لكن هذه المرة يبدو أن مصرف لبنان اقتنع بعدم جدوى حرمان المؤسسة من الدولارات. إذا نفّذ وعده فسينهي مشكلة عدم قدرتها على تأمين الأموال اللازمة لشراء قطع الغيار وتسديد بعض التزاماتها الدولارية. لكن إذا استمر توقف الجباية لفترة طويلة، فقد تفقد المؤسسة العملة اللبنانية أيضاً.

فرحة «كهرباء لبنان» بانخفاض أسعار النفط يبدّدها سعر الدولار. منذ أشهر، لم تجد المؤسسة حلاً لرفض حاكم مصرف لبنان تأمين الدولارات للمؤسسة. لكن المحاولات لم تهدأ، فالبديل من تحمّل المصرف المركزي لمسؤوليته في تزويد المؤسسة العامة بحاجتها من الدولارات لتسيير المرفق العام، هو العتمة. والحاجة هنا ليست محصورة بشراء الفيول، الذي تكفّل المصرف بتأمين 85 في المئة من اعتماداته الدولارية، بل بتأمين أموال المورّدين المتعاملين مع المؤسسة. وهؤلاء بدأوا يحذّرون من احتمال توقف المعامل، بسبب عدم القدرة على استيراد قطع الغيار والمعدات الضرورية للصيانة والتشغيل؟
«الأخبار» سبق أن أشارت إلى أن حجب الدولارات عن مؤسسة كهرباء سيعود على مصرف لبنان بالضرر. إذ إن خفض معدلات التغذية يعني تلقائياً أن المولّدات الخاصة ستعوّض الفارق. عندها سيزيد استهلاكها للمازوت، وتزيد معه مساهمة مصرف لبنان الذي يؤمّن 85 في المئة من اعتمادات المحروقات بالسعر الرسمي للدولار. هذا يعني أنه سيدفع ما وفّره من عدم تأمين العملة الأجنبية لكهرباء لبنان، عبر تأمين اعتمادات المازوت للمولدات. بشكل أدقّ، سيدفع المبلغ مضاعفاً لأن استهلاك المولدات للطاقة أكبر منه في المعامل، وأكبر مرتين منه في البواخر.
بحسب المعطيات المتوفرة عن الاجتماع الأخير الذي جمعه بالمدير العام لـ«كهرباء لبنان» كمال حايك، يبدو أن رياض سلامة اقتنع بأن بديل تأمين حاجة المؤسسة من العملة الأجنبية، سيكون مكلفاً على المصرف. لذلك، يُتوقع أن يصدر قراراً يتراجع فيه عما سبق أن أبلغه إياه في شهر شباط بأنه، بعيداً عن المحروقات، لن يؤمّن الدولارات لأيّ من حاجاتها الأخرى.
ذلك أمر ضروري ويُساعد في تسيير أعمال المؤسسة، التي لم تدفع للمورّدين منذ أشهر، وخاصة أولئك الذين تشير عقودهم إلى دفع أموالهم بالدولار. وعلى سبيل المثال، فإن الدفعة الأخيرة التي حصلت عليها «كارادينيز» تعود لشهر نيسان الماضي، بما يعني أن المؤسسة صارت مدينة لها، خلال عام، بنحو 120 مليون دولار، والأمر نفسه يتكرر مع شركة MEP المشغّلة لمعملي الزوق والجية، ومع شركات تقديم خدمات الكهرباء (التي يُكرر موظفو الكهرباء أنها تنفيعة أدت إلى هدر أموال عامة، من دون أن تساهم في تحسين أداء القطاع). وبعدما كانت المؤسسة قد وضعت خطة لدفع كل المتأخرات، ربطاً بتحسن الجباية، أدت الأزمة المالية وتغيّر سعر صرف الدولار، إلى مطالبة الشركات بالحصول على مستحقاتها أو جزء منها بالدولار، وهو ما لم يتحقق، فتوقفت عملية الدفع. إذا ما أصدر مصرف لبنان قراره، فإن ذلك سينهي مرحلة قلق المؤسسة من تعطّل المعامل، كونها ستتمكن من استيراد قطع الغيار واستقدام الخبراء الأجانب لصيانة المعامل، لكنها ستواجه صعوبة في دفع مستحقات الموردين، بسبب تراجع عائدات كهرباء لبنان بشكل كبير. فقد ساهمت الأزمة المالية والاقتصادية في انخفاض الجباية وتخلّف عدد كبير من المشتركين عن الدفع، فيما أدى انتشار وباء كورونا الذي أعقبه قرار التعبئة العامة إلى توقف المؤسسة عن الجباية بشكل كامل (باستثناء الفواتير الموطّنة في المصارف)، فانخفض دخلها بشكل كبير، وهو الدخل الذي يُستعمل لتسديد كل موجباتها (مستحقات المورّدين، رواتب الموظفين، عقود الصيانة والتشغيل، عقودها مع البواخر التركية، عقود مقدمي الخدمات…). ولذلك، فإن مشكلة حقيقية بدأت تواجه المؤسسة، وقدرتها على الدفع. وهي لذلك، ستنظّم أولوياتها، بحيث تدفع جزءاً يسيراً من المستحقات، فيما تعطي الأولوية للرواتب.

ورداً على خشية موظفين من توقف الرواتب، إذا بقيت الجباية معلّقة لوقت طويل، تجزم مصادر مسؤولة بأن الرواتب مؤمّنة لأشهر، ولا داعي للقلق بشأنها.
بعيداً عن العجز المالي الذي يخيّم على المؤسسة، ساهم الانخفاض الكبير في أسعار النفط في تبديد القلق من عدم كفاية السلفة التي أقرتها الحكومة (ألف و500 مليار ليرة) لإمدادها بحاجتها من الفيول في العام الحالي. وقد صارت اليوم قادرة على تحرير المشتركين من برنامج تقنين قاس كان يتوقع أن تفرضه، لضمان أن تكفيها هذه السلفة طوال عام 2020. فما حصلت عليه يقلّ كثيراً عن المبلغ الأول الذي طلبته وزارة الطاقة، والبالغ 2800 مليار ليرة (التقديرات بنيت على سعر 72 دولاراً للبرميل)، وهو ما فرض عليها تحدّياً كبيراً (عادت وطلبت 2200 مليار ثم 1800 مليار من دون جدوى).
كل ذلك صار من الماضي. تجزم مصادر متابعة بأن انخفاض سعر النفط يحرر المؤسسة من التحفظ في إنتاج الكهرباء. تقول إن المؤسسة قادرة اليوم، بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط، على زيادة التغذية إلى 22 ساعة يومياً لكل لبنان. فالحاجة في فصل الربيع لا تزيد على 2200 ميغاواط، وإذا كانت التغذية الحالية تصل إلى 1550 ميغاواط، فإن السلفة المقرّة تسمح برفع الإنتاج إلى حدود 1800 أو 1900 ميغاواط. فخطط التغذية وضعت على أساس سعر 60 دولاراً لبرميل النفط، وهو سعر بعيد عن السعر الحالي، الذي يقل عنه بمقدار النصف، حتى بعدما ارتفعت الأسعار، التي كانت قد وصلت إلى 22 دولاراً للبرميل.
لكن في المؤسسة، الخطة مختلفة. لا انتشاء بالأسعار المنخفضة، لأن أحداً لا يعرف على ماذا ستستقر، وبالتالي قد يكون الإسراف في استهلاك النفط تأثيره على ثبات التغذية طوال العام، في حال عودة الأسعار إلى الارتفاع». ولذلك، تؤكد مصادرها أنه تم وضع 4 سيناريوات للتغذية، وكل منها مبني على أساس سعر محدد (27، 30، 40 و45 دولاراً للبرميل)، علماً بأن السعر الوسطي المثالي بالنسبة إليها هو 40.8 دولاراً للبرميل، وبالتالي فإن أي سعر ما دونه يشكل فائضاً يسمح بتعزيز التغذية.
لكي تستفيد من الأسعار الحالية، كلفت الحكومة مصرف لبنان البحث في إمكانية شراء تأمين على الأسعار، بما يسمح في حال عدم تخطّي السعر 35 دولاراً على سبيل المثال، أن تتم تغطية الفارق من قبل شركة تأمين عالمية (هو أمر معتمد في كل العالم) ويساهم في حصر الخسائر في حال ارتفاع السعر كثيراً، مقابل الاستفادة من انخفاض الأسعار.
تختصر المصادر الموقف بالإشارة إلى أن الأسعار حالياً ممتازة، وإذا بقيت ما بين 30 و40 دولاراً، فإن المؤسسة ستتمكن من زيادة التغذية في الصيف إلى 1700 ميغاواط، بدلاً من 1200 في الصيف الماضي، علماً بأن التغذية حالياً (1550 ميغاواط) لم تتأثر بانخفاض إنتاج معملي الزوق والجية والباخرتين التركيتين، لأسباب عديدة؛ أبرزها انخفاض الاستهلاك في الربيع إلى نحو 2000 ميغاواط وإقفال المراكز التجارية وأغلب المستهلكين الكبار. لكن في مقابل ذلك، بدأت تشكو «كهرباء لبنان» من انفلات واضح على الأرض، في ظل غياب الملاحظين. فالتعليق على الشبكة ازداد بشكل واضح. وذلك يُكشف من خلال احتراق المحولات في عدد من المناطق، حيث لا أسباب تقنية تبرر ازدياد الاستهلاك، بما يفوق القدرة الحالية للمحولات.

Latest from Arabic

Go to Top