توحيد الإجراءات المصرفية “أضعف الإيمان”4 min read

Arabic/إقتصاد عام

تفاقم الأوضاع النقدية دفع بالمصارف في الآونة الأخيرة الى اتخاذ خطوات وتدابير “حمائية”، تجنّبها الإنهيار السريع. تعليق العمل بالمعيار الدولي للتقارير المالية IFRS9 كان واحداً من هذه الإجراءات. حيث أصدرت جمعية المصارف في مطلع كانون الثاني عقب لقائها الشهري مع مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف تعميماً تضمن في أحد بنوده تعليق العمل بهذا “المعيار”.
القفز فوق المعايير ومتطلبات السلامة النقدية دولياً، أعاده حاكم مصرف لبنان آنذاك إلى الظروف الإستثنائية التي يمر بها البلد، قائلاً إن “مشروعاً في هذا الإطار أعدته لجنة الرقابة على المصارف، سيصدر قريباً” متوقعاً ان “يأخذه مراقبو الحسابات بالاعتبار لصدوره عن Regulators مع تسجيلهم ما يعرف بالـ Disclaimer”

توقف لبنان عن الإهتمام بالإمتثال للمعايير الدولية، خصوصاً بعدما جرى تخفيض التصنيفات ودخولنا بما يعرف بـ default يعني بحسب الخبراء “إفلات زمام الأمور” خصوصا ان الـ UFRS9 هو معيار فرضته معاهدة “بازل” وينص بشكل صريح على انه عندما ترتفع المخاطر في عمليات الإقراض يجري تثقيل المخاطر.

الإفلاسات بالجملة

في الشكل والمضمون يظهر لبنان انه بأمس الحاجة الى تطبيق هذا المعيار، تحديداً في ظل هذه الظروف وفي ظل ارتفاع مخاطر التعثر عن سداد الديون. فلغاية الأمس القريب لم تكن نسبة الديون المعدومة تتجاوز الـ 12 في المئة، وذلك رغم تعثر مئات الشركات وتوقف آلاف الاجراء والمستخدمين عن العمل. إلا ان ما يحدث مؤخراً من تعطيل إجباري لكل القطاعات الانتاجية والخدماتية بسبب فيروس كورونا ولجوء كبريات الشركات الى الإقفال وحسم أيام التعطيل من الإجازات السنوية لعمالها سيدفع بحسب المستشار المالي غسان شماس الى احتمال ارتفاع معدل الديون المعدومة بنسب كبيرة حيث من المتوقع ان تتوقف 90 في المئة من المؤسسات عن دفع ديونها”. وهذا يتطلب برأيه ان “تأخذ المصارف مؤونات واحتياطات عليها”.

الاحتياطي يؤخذ بحسب التصنيف العام للتعثر. حيث لا يوضع العملاء الذين يتخلفون لمدة 30 يوماً عن تسديد ديونهم في خانة المتعثرين، فيما يندرج المتخلفون عن الدفع لفترة تتراوح بين 30 و60 يوماً في الدرجة الثانية. أما العملاء الذين يتوقفون عن الدفع لأكثر من 90 يوماً فيندرجون ضمن لائحة التعثر الكلي. وهذا ما يشير اليه معيار IFRS9. وبالتالي يتطلب حجز مؤونات كبيرة.

لكن السؤال اليوم هل باستطاعة المصارف أخذ مؤونات بمبالغ كبيرة في ظل متطلبات الرسملة بنسبة 20 في المئة من الرأسمال، والنقص الفاضح في السيولة وتحديداً في العملات الأجنبية؟

الجواب، أكيد لا. بالتالي فان المصارف أمام خيارين: الأول بحسب شماس، هو “الطلب من مصرف لبنان، حيث توجد أموالها، أخذ الإحتياطات من ودائعها المحجوزة”.

أما الحل الثاني فمن الممكن ان يكون قد وضع بتصرف البنوك بطريقة غير مباشرة بواسطة تعميم مصرف لبنان الأخير (تعميم 457، أمس الأول) الذي سمح للمصارف بإعطاء قروض للشركات المتعثرة وغير القادرة على دفع سندات آذار ونيسان وأيار بصفر فائدة ولمدة 5 سنوات من أجل سداد مستحقات هذه الديون. وبالتالي فانه “في حال التزمت المصارف في تطبيق التعميم فهو سيجنبها التعثر الكلي (عدم الدفع لأكثر من 90 يوماً) لمئات بل يمكن لآلاف الشركات والمؤسسات”. أقله، لحين انتهاء أزمة “كورونا”.

استنسابية المصارف.. تابع

أمام هذا الواقع الخطير الذي يتهدد الإقتصاد والوطن يظهر ان سلوك معظم المصارف يعمّق الأزمة ويزيد من مخاطرها عليهم بالدرجة الاولى، ومن ثم على المتعاملين من مودعين ومقترضين. وبحسب أحد المحامين المتخصصين في الشؤون المصرفية فانه “بالاضافة الى تخطيها المعايير الدولية فان البنوك تخرق أبسط قواعد العمل التجاري. والأمر يتخطى استغلال أزمة “كورونا” إلى اللجوء إلى الاستنسابية في الإقفال واستقبال الزبائن، وتلبية أبسط متطلباتهم الحياتية”.

المحامي ينطلق باتهامه من شكاوى ترده بالجملة من زبائن المصارف. وهذه احدى القضايا: أقدم أحد المودعين في مصرف كبيرعلى عقد صفقة شراء أرض على أساس امكانية سحب المبلغ بالليرة اللبنانية من حسابه الذي يستحق منتصف هذا الشهر. وبعد ان دفع “رعبون” الأرض مبلغاً من المال يوازي ربع قيمة الأرض، صدم بتهرب المصرف من تسديد أمواله بالليرة اللبنانية نقداً أو عبر شيك مصرفي. طيلة أسبوع ونصف استمر المصرف في التهرب من إعطاء الزبون إجابة واضحة وصريحة عما إذا كان سيدفع المبلغ أم لا، ومتى، وما هي الأسباب التي تحول دون الحصول على أمواله على الرغم من انها بالليرة اللبنانية. كل ما سمعه من المصرف هو”اتصل فينا على Call Center وسنعاود اجابتك قريبا”. لكن، لا جواب لغاية الساعة.

حالة اخرى رفض فيها مصرف متوسط الحجم (ف. ب) طلب سداد دين بقيمة 184 الف دولار يدفع 86 الف دولار منه بواسطة شيك مصرفي والمبلغ المتبقي بالليرة اللبنانية. وبحسب العميل فانه “حرصاً مني على مصداقيتي وسمعتي طلبت من المصرف إقفال حساب جار مفتوح منذ أكثر من 13 سنة وتسديد المتوجبات تفاديا لترتب فوائد اضافية باهظة، قد لا استطيع ايقافها او تسديدها لاحقاً بسبب الاوضاع الاقتصادية، خاصة وان عائدات أعمالي قد تضاءلت تدريجياً منذ حوالى الشهرين وأصبحت على قاب قوسين او أدنى من التوقف عن العمل وصرف الموظفين لدي”. ويتابع بدلاً من ان يجاوبوني بكتاب خطي، هاتفني المصرف ليعلمني بتخفيض الفائدة من 11 الى 10 في المئة”.

هذ التصرفات تؤشر بحسب المحامي الموكل متابعة القضية الى عدم رغبة المصارف في التعاون في ظل هذه الظروف ضاربة بعرض الحائط المادة 7 من قانون النقد والتسليف والمادة 301 من قانون الموجبات والعقود اللتين تلزمان المصارف باستيفاء الديون بالليرة اللبنانية.

الحاجة الى قانون “الكابيتال كونترول” في ظل وجود خطة شاملة واضحة وصريحة بإشراف صندوق النقد الدولي تعتبر اليوم أولوية للحد من الإستنسابية وتوحيد تطبيق المعايير.