ما مصير الاقتصاد اللبناني؟4 min read

Arabic/إقتصاد عام

شعرتُ بوجود خطبٍ ما في لبنان، حين أعلن حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، لنا جميعاً أن الدولارات متوفرة في السوق، ونفى وجود أي نقص، ولم يتكلم عن ضرورة تخفيض الإنفاق.

قبل الحرب الأهلية اللبنانية، بين الاعوام 1975 و1990، وخلالها وبعدها، كنا نستطيع دفع ثمن كل شيء في لبنان بالدولار الأميركي: فواتير العشاء، الإيجارات، الميليشيات، الأسلحة (خلال الحرب)، السيارات، تذاكر السفر، البقالة… انهارت الليرة اللبنانية وسط الصراع، لكن بفضل رئيس الوزراء اللبناني، الملياردير رفيق الحريري، عادت واستقرت قيمتها عند مستوى 1500 ليرة مقابل كل دولار.

سُرّ الجميع بما حصل. فقد أصبحت العملة المحلية الجميلة، بأشجار الأرز الملونة والآثار الرومانية والتماثيل الفينيقية، قابلة للتبديل مع الدولار. كان كل 50$ يساوي 75 ألف ليرة لبنانية. حتى أننا كنا نخلط بين العملتَين.

هكذا كان الوضع إلى أن توجهتُ في الأسبوع الماضي إلى أقرب صراف آلي وأدخلتُ بطاقتي المصرفية لسحب 400$، فقرأتُ التحذير الاعتيادي بخصم 5 دولارات إضافية من الآلة، ثم تلقيتُ رسالة صوتية مقتضبة: “تم إلغاء معاملتك”! كانت اللكنة أميركية طبعاً. حاولتُ مجدداً وواجهتُ المشكلة نفسها.

لطالما أدهشتني اللغة المصرفية وحيّرتني تحديداً كلمة “معاملة”. يُفترض أن تشير المعاملة إلى شراء ملكية أو أسهم، أو الاستحواذ على شركة ضخمة. لكن في نهاية رحلتي التعيسة إلى الصراف الآلي، اكتفيتُ بمبلغ 400 ألف ليرة لبنانية (266$) واستمتعتُ برؤية الأوراق النقدية اللبنانية الجميلة، مع آثار بعلبك، وروائع المتاحف، وصور مصرف لبنان بقيادة سلامة. هكذا اكتملت “المعاملة” التي قمتُ بها.

يكشف هذا الوضع نقص الدولارات في السوق. من هنا تبدأ قصة تدهور الاقتصاد اللبناني.

بعيداً عن الأرقام الدقيقة، أخذت الحكومة اللبنانية عدداً هائلاً من القروض بعد الحرب، بمساعدة فرنسا، بلد الانتداب القديم، فاضطرت ميزانيتها في نهاية المطاف لدفع 80% من قيمتها خدمةً للدين العام. يعني الفساد المتفشي على مر عقود إنفاق مبالغ مالية ضخمة لتأمين أبسط حاجات بنية الاقتصاد اللبناني، علماً أن هذا الهدف كان ليتحقق في البلدان السليمة عبر فرض ضرائب وضوابط منطقية.

لا أفهم مثلاً السبب وراء انقطاع التيار الكهربائي في بيروت، بمعدل ثلاث ساعات يومياً على الأقل، منذ وصولي إلى لبنان في العام 1976. على غرار جميع اللبنانيين، سرعان ما اعتدتُ على هذا الوضع السخيف رغم غرابته، مثلما اعتاد عليه معظم الناس.

يعني ذلك تمضية ثلاث ساعات كاملة من دون استعمال المصعد أو إشعال مصباح للقراءة، في زمن الحرب أو السلم. استقدمت الحكومة اللبنانية باخرة كهرباء تركية إلى بيروت بحراً، ومع ذلك لم يتغير الوضع. أمضيتُ فترة الغداء يوم أمس مع رجلَي أعمال لبنانيَين لامعَين، وحتى هما عجزا عن تفسير الرابط بين “المشاكل البنيوية” في الاقتصاد اللبناني وانقطاع الكهرباء في منزلي حين أعود إليه.

سمعتُ أفضل تفسير من مروان اسكندر، رجل لبناني “يحب الحياة” بمعنى الكلمة، فأهداني كتابه الجديد Central Banking in Uncertain Times: Lebanon and the US (البنك المركزي في زمن الاضطراب: لبنان والولايات المتحدة) حين كنا نتناول حلوى لذيذة بالشوكولا. اسكندر خرّيج كلية “سانت أنتوني”، أكسفورد. فكتب لي هذه الكلمات المدهشة في مقدمة الكتاب: “هذا الكتاب يستحق تقييمك في زمن أزمة سعر الصرف في لبنان. حتى المهرّبون اللبنانيون ما عادوا يودعون أرباحهم في البنوك اللبنانية. أهلاً بك في لبنان، روبرت”.

يتعلق أخطر جانب من هذا الوضع كله طبعاً بعدم استقرار الليرة اللبنانية. منذ أسبوعين، وصلت قيمة الدولار الواحد إلى 1600 ليرة. وعادت الآن إلى أكثر من 1500 بقليل.

أعلن البنك المركزي أن الدولارات متاحة لشراء النفط والأدوية والقمح، لكنّ شراء النفط بالعملة اللبنانية غير ممكن. بالكاد مُنِعت إضرابات مسيئة وعنيفة لشركات ناقلات النفط والمرائب منذ وقت قصير. ولا تزال المستشفيات تعتني بمرضاها، ويستطيع الناس حتى الآن تناول خبزهم اللذيذ.

لطالما اندهشتُ لأن أذكى التجار في الشرق الأوسط (لا تنسوا أن اللبنانيين هم التجار الفينيقيون الأصليون) يستطيعون تدمير اقتصادهم بأنفسهم. قد نتذكر في هذا الإطار كتاب Death by Water (الموت في الماء) لتوماس إيليوت، حيث دعا القراء إلى التفكير بالبحار الراحل “فليباس الفينيقي”.

لكن بما أنني صحافي مؤمن بنظرية المؤامرة، أحمل أفكاراً أخرى عن حقيقة ما يجري. لا تزال الولايات المتحدة تحاول تدمير نظام الأسد في سوريا وجمهورية إيران الإسلامية، واتُّهِم حزب الله اللبناني التابع لإيران بالقتل مجدداً هذا الأسبوع.

هل هذا ما يفسّر الوضع الاقتصادي المرعب راهناً؟ هل يمرّ الوقود من لبنان إلى سوريا، وعبر ناقلة إيرانية أيضاً نحو بانياس؟ نعلم جميعاً أن العملة تتحرك بين دمشق وبيروت (في النهاية، من المعروف أن عدداً كبيراً من السوريين من أصل لبناني والعكس صحيح).

هذا الوضع ليس مجرّد حيلة لخداع الأميركيين، بل إنه نتيجة مباشرة لنظام الانتداب الاستعماري الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى وفصل لبنان عن سوريا وشتّت مئات آلاف العائلات. هل يدمّر التاريخ مجدداً هذا الشرق الأوسط القديم والمسكين ويُصدِر ذلك الصوت الأميركي الرديء من الصراف الآلي ليقول “تم إلغاء معاملتك”؟

Latest from Arabic

إنكماش في 2019 و2020…

رجّح معهد التمويل الدولي أن يبقى لبنان، في ظلّ غياب الاصلاح الحقيقي
Go to Top