موازنة 2020: “الحكي عن الضرائب مش عَيب”5 min read

Arabic/Slider/أقلامنا

مع تحويل وزير الماليّة علي حسن خليل مشروع موازنة 2020 الى مجلس الوزراء، وتحت ضغط ما يُشبه أزمة إقتصاديّة-نقديّة ما زالت تقلق المواطنين، إنطلقت شرارة النقاش حول موازنة العام المقبل. على أمل أن يقرّها مجلس النواب قبل 31 كانون 2019 هذه المرّة، وهي المهلة التي حددها قانون المحاسبة العموميّة. مع ذلك يبدو للمراقبين أن الحكومة لا ترتكز على أي نوع من الإستراتيجيّة الإقتصاديّة عند مقاربتها للموضوع، لا بل وكأنها تحصر بحثها بأرقامٍ مجرّدة على ملفات “إكسيل” دون الأخذ بعين الإعتبار أن تلك الأرقام والجداول لديها تداعيات فعليّة تؤثر على جيبة المواطن، أو كأن الأمر لعبة “تتريس”، أي أن الحكومة تتلقى تحدّيات يطرحها مانحي “سيدر” وتتلقفها عبر تأقلم سياستها الإقتصادية بحسب معايير الجهات المانحة.

ويتركّز القسم الأكبر من النقاشات الحاليّة حول الإنفاق الحكومي، وضرورة تخفيض العجز، دون التطرّق الى الشقّ المقابل ضمن الموازنة، نقصد هنا الإيرادات.  مما لا شك فيه، أن المكابرة على الحاجة الى ترشيد الإدارة لم تعد تنفع، في حين أن هذا الترشيد مستحيل بشكل مستدام دون إحداث تغيير بنيوي في ثلاثيّة: هيكليّة الدين العام، أجور وأعداد موظّفي القطاع العام، التحويلات الى مؤسسة كهرباء لبنان. ولكن، في الوقت ذاته لا يكتمل الإصلاح الإقتصادي دون إعادة النظر في السياسة الضريبيّة المتّبعة عند إعداد  الموازنة، من حيث المبدأ على الأقل، من ترجمة إقتصاديّة وماليّة، لعقد إجتماعي قائم بين أبناء البلد الواحد.

في هذا السياق،   تكتسب إعتبارات العدالة الإجتماعيّة أهميّة خاصّة، إذ أن الإجراءات التقشفيّة، رغم انها أصبحت ضروريّة وملحّة كما قلنا، الا أنه لا يمكن التغاضي أن  وقعها سوف يكون أكثر إيلامًا للفئات الإجتماعيّة الهشّة، إستنادًا الى تجارب مشابهة في دول أخرى، من اليونان الى الأرجنتين. علمًا أن معظم الإيرادات وفقًا للموازنة المقترحة التي أحالتها وزارة الماليّة –وهذا حال جميع الموازنات السابقة- يمكن إعتبارها غير تقدّميّة باستثناء الضريبة على الفوائد الى حدٍ معيّن، والتي لا تدرّ بأكثر من 16% من مجمل الإيرادات المُتوقّعة، كما يبيّن الجدول أدناه. والضريبة أو الإجراء التقدّمي هو الذي يتناسب في وقعه مع دخل أو ثروة الأشخاص الذين يطالهم. وفيما الدولة اللبنانيّة لا تقوم بنشر مؤشر “جيني” الذي يقيس مدى حدّة اللا مساواة الإقتصادية (وهذا بحدّ ذاته تقصير فاضح في الواجبات الإحصائيّة)، الا أنه من المؤكد أن الإجرائات المنوي إتباعها ستجذّر الفوارق الإجتماعيّة وتعمّقها، خاصةً في بلد يلجأ فيه عدد كبير من المواطنين الى القطاع الخاص، حتى في قطاعَي الطبابة والتعليم.

إذا اقتنعنا بضرورة حصول نقاش جدّي حول السياسة الضريبيّة والإيرادات، عمليًا، ما يمكن أن يكون البديل؟

يجب مرافقة الإجرائات التقشفيّة مع إعادة هيكلة النظام الضريبي نحو بنية أكثر عدالةً بين الفئات الإجتماعيّة، تتم فيها المساهمة بحسب القدرة الإقتصاديّة لكل مواطن. مثال بسيط: هل يجوز أن يساهم موظف مثبّت يتقاضى مليون ليرة في الشهر أكثر مما يساهم من يمارس مهنة حرّة ويتقاضى أضعاف هذا الرقم؟ وإذا كان شخصان عندهما نفس الدخل، ولكن أحدهما من فائدة على وديعة مصرفيّة فيما الآخر من أجره، هل يجوز أن يساهم الأول أقل من الثاني؟ بشكل عملي، نقترح إلغاء كل الضرائب على الدخل (سواءً للأفراد أو الشركات) وإستبدالها بضريبة موحّدة على الثروة. ويساهم هكذا إجراء في تخفيف من العبء الضريبي على الفقراء والطبقة الوسطى، ويساهم في تقليص الفوارق الإقتصاديّة، خاصةً بعد إشارة قسم كبيرة من خبراء اللا مساواة، من توماس بيكاتي وبرنكو ميلانوفيتش ووالتر شايدل، أن الثروة أكثر تأثيرًا على تلك الفوارق وأكثر تجذيرًا لها، من الدخل.

كيف يمكن تطبيق هذه الضريبة عمليًا؟

تأتي الضريبة على الثروة على شكل نسبة مئوية تصاعديّة على قيمة مجموع أملاك المكلّف، من ودائع، نقود، عقارات، منازل، أسهم، وشركات. على أن يدخل كل ملك قيمته فوق 5,000 دولار مثلا في الحسبة (سيارة، لوحات ثمينة، الخ). وفيما يمكن تغيير النسب المئوية لوصول الى المستوى المرغوب من الإيرادات، يمكن الركون الى الجدول التالي كمثال عملي عن تطبيق تلك الضريبة:

وفقًا للجدول أعلاه، فإن أي شخص تبلغ ثروته أقل من 50,000 دولار، لا يساهم بضريبة، فيما من يملك منزل قيمته 100,000 دولار وسيّارة قيمتها 10,000 دولار وحساب مصرفي يحتوي على  10,000 دولار (أي أن مجموع ثروته يبلغ 120,000 دولار)، سيساهم بضريبة قيمتها 700 دولار في السنة (لا يساهم على أول 50,000 ويساهم ب 1% على 70,000 دولار الباقية).

صحيح أن هذا النظام الضريبي سيزيد من الضرائب المتوجّبة على أصحاب الثروات، لذلك لا يمكن تطبيقه الا بالتزامن مع إصلاحات جذريّة تحدّ من الهدر والفساد في الدولة. في الوقت ذاته، يساهم هكذا إجراء في الحد من التهرّب الضريبي، وفي إرساء شيء من العدالة الإجتماعيّة التي لا تزال غائبة عن كل الإعتبارات الإقتصاديّة والسياسيّة في البلاد، وفي تبسيط المعاملات الإداريّة، وقد يؤدّي حتى في خفض أسعار الشقق وبعض العقارات.

مهلا، كيف يمكن التأكد أن المكلفين سيصرحون عن ثروتهم بطريقة أمينة؟ ألا يمكنهم رشوة الجباة لتخفيض تقييم ثروتهم؟

مما لا شكّ فيه، أن هذا الخطر قائم وحقيقي في بلد يعاني من العجز المؤسساتي والفساد المستشري، كما هي حالة لبنان. لذلك يجب إيجاد آلية بديلة خلّاقة، لا تستوجب الإعتماد على تخمين الدولة، بل على تصريح المكلف عبر تحفيزه على التصريح الصريح والسليم. كيف؟ يمكن للدولة أن تخلق سجلًّا إلكترونيًا تُسجّل ضمنه جميع أنواع الأملاك والأصول القيّمة (التي ذكرناها أعلاه). في هذا السجل، يمكن للمكلف أن يحدّد بنفسه قيمة االأملاك التي يتوجّب عليه التصريح عنها. ولكن، ما الذي يردعه عن الإدّعاء أن شقته الفاخرة في بيروت قيمتها 100,000 دولار، بدل من 500,000 مثلا؟ بكل بساطة، يُجبر عندها المُكلف بتلبية أي طلب لشراء الأملاك المُسجلة وفقًا للقيمة التي يكون قد صرّح عنها على السجل الإلكتروني للثروات الوطنيّة (على أن يضمن السجل خصوصيّة البيانات الفرديّة). عندها، لن يلجأ الى التضليل و تثمين أملاكه أقل من حد معيّن عند التصريح، والا اضطر الى بيع الملك بسعر محروق.

من البديهي أن حدوث تغيير بهذا الحجم  لن يحصل بين ليلة وضحاها ، لا بل قد لا يحصل أبدًا. ولكن الأهم في هذا السياق، الإبتعاد عن “أكسلة” و”تترسة” مقاربة الموازنة، والشروع الى البحث الجدّي في دور الدولة في تقليص اللا مساواة الإجتماعيّة-الإقتصاديّة، والتوزيع العادل والمتناسق للأعباء الناتجة عن السياسات التقشفية.

Latest from Arabic

إنكماش في 2019 و2020…

رجّح معهد التمويل الدولي أن يبقى لبنان، في ظلّ غياب الاصلاح الحقيقي
Go to Top