بحجّة الأسوأ…السيّئ أصبح القاعدة4 min read

Arabic/إقتصاد عام

تشبه “آراء” غالبية الكتل النيابية تلك الكائنات التي تتحوّل باستمرار لتعود وتنظر إلى جلودها القديمة من دون الاعتراف بها… هذا ما يبدو جليّا في كلّ مرة نواجه فيها استحقاقا دستوريا أو ماليا حيث يسعى نوّاب كثر الى التنصّل من قرارات وقوانين كانوا قد اتخذوها متذرّعين في كل مرة بحجّة “الضرورة”. وهذا ما حصل أيضا خلال مناقشات “الموازنة اللقيطة” كما وصفها وزير المال علي حسن خليل حيث تهرّب الجميع من اقترافاته لناحية الارقام والقرارات المدرجة في القانون الحالي.
تتبع فصول رواية “موازنة الـ 2019” احداث قصة “رجل برجل” للكاتب الالماني برتولد بريشت. القصة عن رجل بسيط اسمه كالي كاي، لا يعرف ان يقول “لا” لأحد وكيف ان الظروف التي ارغمته على الانصهار بالكتلة العسكرية، جعلته يتكيف مع الملابس، ويتبنى المواقف، والأفكار والعقائد وذلك لكي يتأقلم مع مجريات الأمور. يتناول موضوع الرواية عملية تجريد الفرد من شخصيته لصالح المجتمع الذي يستخدمه من دون هاجس…وعلى المنوال عينه، تتجرد الطبقة السياسية في كل مرة من وعودها لتتفكك ثم تعود وتتجمّع وتُركّب لتحقيق مصالحها الآنية -وفي كل مرة- على حساب الشعب.

إعتراف بالمخالفة الدستورية

اعترف المجلس النيابي كاملا بضربه بالدستور عرض الحائط تحت ما يسمى “الضرورات” ممهدا للمصادقة على اقتراح قانون معجل مكرر لحل مشكلة قطع الحساب رغم التشكيك بامكانية تحقيق ذلك خلال 6 اشهر.

“لناحية المواد الدستورية، ليس هناك من نقاش فالمادة 87 واضحة تماما وهي تلزم التصديق على قطع الحساب قبل نشر الموازنة. لكن ونظرا لعدم توفّر هذه الامكانية وبما ان اقرار موازنة الـ 2019 بات حاجة أكثر من ملحّة، وبما اننا عالقون امام تحديات مالية خصوصا بعد تأخر تشكيل الحكومة الحالية ورصد الموازنة، فقد ارتأى المجلس ان عليه، بين السيئ والاسوأ اختيار السيئ”، يقول عضو كتلة التنمية والتحرير ياسين جابر.

يضيف جابر “صحيح ان الموازنة هذه ليست كافية ولكنها كانت مهمة في هذا الوقت الراهن واذا كنا نريد ان نرسم صورة معينة للاصلاح فهذه هي القطعة الاولى منها على اعتبار ان الموازنة تتضمن بنودا اصلاحية كثيرة، اما العلاج الجذري فيكون في الاستنفار. الاستنفار لمعالجة عجز كهرباء لبنان وهدر قطاع الاتصالات، والتهرب الجمركي ومعضلة المعابر والتي كلها لا صلة للموازنة بها. كل هذه الامور لو تحمل الوزراء المعنيون مسؤولياتهم وضبطوا المخالفات الحاصلة. وفي ما خص قطوعات الحسابات، اقترحت ان يتم تخصيص 5 مليارات ليرة لديوان المحاسبة ليتمكن من التعاقد مع خبراء، وفقاً لاحتياجاته، في سبيل تفعيل رقابته على الحسابات وإعادة انتظامها وتمكينه من إنجاز تدقيقها ضمن المهل القانونية المحددة لها، وبهذه الطريقة نتفادى ما حصل العام 2017 حيث اقرت الموازنة على وجوب الانتهاء من تدقيق قطوعات الحسابات بيد ان ديوان المحاسبة عجز عن ذلك لافتقاره للمؤهلات”.

عجز الحكومة… تابع

حتى الساعة، لم تضع الحكومة خطة لتخفيض عدد العاملين في الإدارات والمؤسسات العامة، وبالتأكيد خلال ما تبقى من العام الجاري ليتم ملء الشواغر في الوظائف القيادية في الإدارة العامة ومجالس إدارة المؤسسات العامة والهيئات الناظمة. كما انها لم تحدد مدة العمل بالمواد المتعلقة بإخضاع معاشات المتقاعدين، على اختلاف اسلاكهم، للضريبة والاقتطاع من مخصصاتهم، على أن تعمل وزارة المالية على توسيع قاعدة المكلفين الخاضعين للربح المقدر. هذا ولم تضع خطة لمعالجة الدين العام وتخفيض حجم خدمته والفائدة التي تدفعها الخزينة، بما يضمن تحقيق فائض أولي في الموازنة يمكن الدولة من مباشرة تسديد ديونها. اذا ليست هذه الموازنة الا مجرد “تجليطه” من صنع السلطة التشريعية التي هي نفسها التنفيذية، من هنا يمكن الجزم ان موازنة الـ 2020 لن تكون مغايرة لواقع اليوم.

“قطع الحساب كرغيف الخبز، لا يمكن ان يؤكل الا طازجاُ اي انه من غير الممكن لقطوعات الحساب ان تنجز بعد اعوام طويلة” يقول الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي.

ويضيف يشوعي: “لقد ارتُكب الخطأ منذ اعوام وبغض النظر عن المسؤولين، انا استبعد ان تكون الحسابات دقيقة. من جهة اخرى فإن ديوان المحاسبة يفتقر الى الامكانات والجهاز المطلوب. وحتى الخبراء الدوليون سيعجزون عن التدقيق في كومة من “الكراتين” الملأى بالاوراق التي من الارجح انها ناقصة وغير مكتملة. من هنا فليلجأوا الى نظرية عفا الله عما مضى من قطوعات حسابات وليجهدوا لعدم الوقوع في هذا الخطأ من جديد بدلا من ان يستمروا باستغبائنا مرارا وتكرارا. ستصبح الموازنة خلال فترة وجيزة موازنة دفع أجور الموظفين والمتقاعدين وموازنة خدمة الفوائد على الدين العام، وموازنة القضاء على المؤسسات والادارات التي لها طابع انمائي وانشائي ودور اجتماعي.

لن تكون موازنة 2020 مغايرة للموازنة الحالية او سابقاتها خصوصا انه توجب عليها وضع حد للعمولات في القطاع العام الذي لا يمكن ان يتحقق الا من خلال انتقال سلس وشفاف وبواسطة اداريين وخبراء اجانب للخدمات العامة من كهرباء ومياه ونفايات ونقل مشترك وطرقات الى القطاع الخاص؛ وفرض سياسة ضريبية قائمة على الضرائب الشخصية التي ترتكز على الدخل المجمّع للفرد وتكون تصاعدية؛ واللامركزية الادارية” يقول يشوعي.

ان الجيوش العظمى في مجتمعات ما بعد الحرب العالمية الأولى، كانت تريد عصراً تتكاثر فيه شعوب خالية من الجوهر لتكون قابلة للتغيير.اما نواب أمتنا او الغالبية منهم “لئلا نظلم الجميع” فيريدون ضحايا بريئة يقومون بتحويلها وتسييرها كما يشاؤون. وفي مجتمع يسيطر عليه “الوهم”، وحده “المتكيّف الناجح” من يكون قادرا على اختيار تحولّه”!

Latest from Arabic

Go to Top