أبرز ما يجب ان تعرفه عن موازنة 20194 min read

Arabic/أقلامنا/إقتصاد عام/بإختصار

إجتمع مجلس الوزراء البارحة (27 أيار) في جلسة ترأسها  الرئيس ميشال عون، حيث أحال مشروع الموازنة لعام 2019 الى المجلس النيابي، بعد عقده عشرين جلسة مخصصة لمناقشتها. وبحسب وزير الماليّة علي حسن خليل، لم تتضمن الموازنة أي تخفيض لرواتب ومخصصات العسكريّين والأساتذة. أيضًا بحسب خليل، تم تخفيض العجز الى حوالي 7.6% من الناتج المحلي، مقارنةً مع 11.4% في عام 2018.

ما الخطوة التالية للإنتهاء من إقرار الموازنة؟

بعد إقرار الحكومة للموازنة، تتم إحالتها الى مجلس النوّاب، فتناقشها لجنة المال والموازنة (التي يترأسها النائب إبراهيم كنعان) لمدة  لا تتعدّى الشهر، قبل أن تحيلها الى الهيئة العامة للمجلس، حيث تُناقش وتُقرّ بصيغتها النهائية. ذلك، مع العلم أنه، وبحسب قانون المحاسبة العموميّة الذي يحدد أصول إعداد الموازنة، وبحسب المادّة 32 من الدستور، كان يُفترض على مجلس النوّاب إقرار موازنة عام 2019 قبل 31 كانون الأول 2018 وأن يخصص “جلساته بالبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر“.

لماذا التركيز على تخفيض نسبة العجز من الناتج المحلي؟

يمثّل عجز الخزينة الفارق بين نفقات الدولة ووارداتها، حيث يتم تمويل هذا الفارق عبر اللجوء إلى الإستدانة. إستنادا على هذا الأمر، من المتوقع أن تبلغ نفقات الحكومة 17.1 مليار دولار في مشروع الموازنة بشكلها الحالي (بما فيها سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 1.6 مليار دولار)، فيما يُتوقع أن تحصّل واردات تبلغ قيمتها 12.6 مليار دولار.  الفارق بين النفقات والواردات، أي 4.5 مليار دولار سوف يتم تمويله عبر الإستدانة،  ما ينعكس إرتفاعا  للدين العام من 85 مليار دولار في نهاية عام 2018 الى 89.5 مليار دولار في نهاية عام 2019، اذا صحّت توقعات وزارة الماليّة. ويعني ذلك، أن نسبة الدين من الناتج المحلي سترتفع بدورها من 151% الى ما لا يقل عن 154%.

إنّ تركيز الخبراء على مقارنة  العجز بالناتج المحلي، مردّه الى كون هذا المؤشر يتيح تقييم العجز بالنسبة الى حجم الإقتصاد (فعجز 5 مليار دولار يعتبر رقم كبير بالنسبة للإقتصاد اللبناني ، فيما يُعتبر ضئيل جدًا لإقتصاد الصين أو اليابان أو المانيا). وتصب الحكومة اليوم تركيزها على تخفيض هذا المؤشر، لاستيفاء شروط المانحين في مؤتمر “سيدر” الذين اشترطوا على الدولة اللبنانية السيطرة على المسار المضطرد الذي يسلكه الدين العام، وذلك لكي يتأكدوا أن الديون الميسّرة التي يقدمونها للحكومة اللبنانية  والبالغة 9.9 مليار دولار (إضافةً الى هبات موعودة ب 860 مليون دولار)، سوف يتم إستخدامها في سبيل الإستثمار وتحريك النمو الإقتصادي، بدلا من هدرها في تمويل الدين العام بشكل غير مستدام.

هل يكفي التخفيض المتوقع للعجز؟

أخذت نسبة العجز المرتجى الوصول اليها حيّز مهم من الأخذ والرد بين مختلف الأفرقاء داخل مجلس الوزراء، حول اذا كان التخفيض للعجز الملحوظ ضمنها “كافي” أو لا، قبل أن ترسي على نسبة 7.6% من الناتج المحلي. فهل تكفي هذه النسبة من التخفيض؟ ولماذا رسي الأمر على هذا الرقم بالتحديد وليس رقم آخر؟

لا جواب سهل عن هذا التساؤل، إذ أن النسبة المثالية للعجز ترتبط بعوامل معقدة كثيرة. على سبيل المثال، يمكن لحكومة اليابان أن تصدر سندات خزينة لثلاثين سنة بمعدل فوائد 0.5%، مما يعني أن حجم العجز في هذه الدولة ليس بنفس الأهمية لأنه لا يرتب على الخزينة نفقات كبيرة لخدمة الدين (وهذا يفسر تصدر اليابان الدول في أعلى نسبة دين مقارنةً بالناتج المحلي، تقارب 240% دون التأثير على الاستقرار النقدي للبلاد). في المقابل، معدل الفوائد على الدين العام في لبنان يصل الى 6.5%. بناءً عليه، ما يعدّ أهم من نسبة العجز بحد ذاتها، هو الهدف المنشود المفترض تحقيقه من خلال التخفيض. فاذا كان الهدف تأمين إستقرار الدين العام، أي إبقاء مستوى هذا الدين عند 151% من الناتج، فمن المفروض تخفيض العجز الى ما دون 5% من الناتج (في حال كان النمو الاقتصادي 2.1% كما تتوقع وزارة الماليّة، وهذا توقّع متفائل إلى حدّ ما نظرا لأوضاع المنطقة). ولكن، يشكل تخفيض العجز الى هذا الحد خطر إنكماشي على الاقتصاد. لذلك، كان يتوجب على مجلس الوزراء إعداد خطة على خمس سنوات، تعمل بشكل تدريجي على معالجة الأسباب البنيوية للعجز، وفقًا مثلا للرؤيا التي سبق موقعنا وطرحها في السابق ( إقرأ : كيف يمكن تفادي الانهيار الاقتصادي القادم؟).

مع ذلك يبقى أن نشير أن توقع وزارة الماليّة أن يكون العجز 7.6% لا يعني بالضرورة أن هذه التوقعات سوف تتحقق. أولا، لأن الموازنة الجديدة لن تدخل حيّز التنفيذ قبل منتصف العام، أي أن في الفترة السابقة لإقرارها تجري النفقات والايرادات وفقًا للموازنة القديمة (على أساس القاعدة الاثني عشرية). ثانيًا، لأن الحكومة خالفت في الماضي قرارات اتفقت عليها، تحديدًا التي تتعلق بتجميد التوظيف (على ثلاثة سنوات في هذه الحالة). وثالثًا وأخيرًا، لان وزارة المالية قد تكون متفائلة بعض الشيء في توقعاتها للجبايات والايرادات (فهل تأخذ في عين الإعتبار إحتمال تراجع الإستيراد بعد إدخال رسم إضافي 2% على بعض البضائع المستوردة)، وهو ما حصل عند إقرار ضرائب جديدة مع سلسلة الرتب والرواتب.