أسقطوا الجدار التربوي!4 min read

Arabic/Slider/أقلامنا/إقتصاد عام

خضّ المجتمع اللبناني حرق المواطن جورج زريق لنفسه الأسبوع المنصرم، بعد رفض مدرسة خاصة تزويده بإفادة تسمح له نقل أولاده الى مؤسسة أخرى لعدم تمكنه من تسديد الأقساط  المدرسية المتوجبة عليه. لو حدث ذلك في أي بلد آخر، لجوبهت المأساة بكثير من الإستغراب، إذ أن المدرسة الخاصة في السواد الأعظم من البلدان تبقى مقصد للأثرياء بشكل أساسي. ينفرد لبنان بين دول العالم في تركيبة قطاعه التربوي:  حيث أن 30.8% فقط من مجموع التلامذة للعام الدراسي 2016-2017 كانوا مسجلين في مدارس رسمية بحسب أحدث تقرير سنوي لمكتب البحوث التربويّة.

جورج زريق هو  بالدرجة الاولى ضحية إمتناع الدولة عن ممارسة دورها، وتشتيتها لأولوياتها: تريد أن تقود قطاع الكهرباء والاتصالات وأن تتحكم بوكالات الاستيراد والتصدير وأن تلعب دور رب العمل الأول في البلد، فيما تسلم القطاع المدرسي بشكل شبه كامل للقطاع الخاص. مع ذلك، جورج زريق  بالدرجة الثانية ضحية الطبقة الوسطى. هذه الطبقة، التي تنظر الى الفقراء على أنهم “رعاع” وتريد فصل أبنائها عن أبنائهم، هي أيضًا من  التركيبة التربوية الحاليّة للبلد. نتيجة لهذين العاملين – إنكفاء الدولة وتواطؤ الطبقة الوسطى- نرى اليوم لبنان قطاعين مدرسيين متوازيين تمامًا، يفصل بينهما جدار تربوي عظيم: المدرسة الخاصة للطبقة الوسطى والأثرياء، والمدرسة الرسمية للفقراء.

ما خطورة هذا الواقع؟ عام 1966، صدر في الولايات المتحدة “تقرير كولمان” الذي تضمن خلاصات اللجنة التي كلفتها وزارة التربية آنذاك للنظر  بالقطاع التربوي  وتحديدًا الفوارق بين البيض والسود في هذا المجال. عزا التقرير-المرجع التأثير الاكبر للأداء المدرسي الى ما اسماه “الخلفيّة العائلية”، أي بشكل مبسّط، دخل عائلة التلميذ. بمعنى آخر، كل ما ارتفع دخل الأسرة،  ارتفعت معه حظوظ  أبنائها في النجاح الأكاديمي. إذا أضفنا الى ذلك، أهمية النجاح الأكاديمي للوصول الى النجاح المهني، تنجلي أمامنا خطورة التركيبة التربوية الحالية في لبنان. لا مساواة الفرص التربوية تعني أن دور التعليم ك”مصعد طبقي” معطل تمامًا وأن النظام التربوي يؤدي الى إعادة انتاج التركيبة الطبقية الحالية، والى تجذير الفوارق الاجتماعية-الاقتصادية. ببساطة، على أولاد الفقير أن يبقوا فقراء!

في العودة الى مشكلة الأقساط المدرسية، التي تفاقمت من دون شك بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ومع تردي الأوضاع الإقتصادية بشكل عام (أقله قبل تشكيل الحكومة)، الا أن لوم المؤسسات التربوية أو الدينية لا يؤدي الى حل بنيوي، خاصةً عند الأخذ في عين الإعتبار المادة 10 من الدستور التي كفلت “حقوق الطوائف” في هذا المجال. العنوان الحقيقي للحل، لا يمكن أن يكون الا عبر إستعادة الدولة لسيادتها على القطاع التربوي وتأمين حد أدنى من مساواة الفرص لجميع مواطنيها. ودون الإفراط في الغرف  بالنموذج الماركسي-اللينيني، يتطلب تصحيح التقاعس المزمن للدولة، تحالف الطبقة الوسطى مع طبقة الفقراء، وتخليها عن تضافرها الحالي مع الأثرياء، لتشكيل الضغط المطلوب باتجاه إصلاح شامل للقطاع التربوي. عمليًا، الدفع قدمًا باتجاه نظام تربوي يراعي مساواة الفرص يمكن أن يكون عبر سلوك أحد من مسارين إصلاحيين، يمكن تلخيصهما بعبارة “الخصخصة للجميع أو التأميم للجميع”.

“الخصخصة للجميع”، أي أن تترك الدولة القطاع المدرسي كله لإدارة القطاع الخاص، فيما هي تتولى التمويل ووضع البرامج وتحديد الأنظمة والقوانين المنظمة له. هو نموذج يرتكز على إعتماد شامل للبطاقة التربوية، تموّل ضمنه الدولة منحة لكل ولد، فيما يُترك للعائلة أن تختار المؤسسة التي تريدها. هذا مع العلم أن التجارب المتعلقة بالبطاقة التربوية (School Voucher) في بلدان أخرى، أبرزها تشيلي والولايات المتحدة، تمخضت عن نتائج متناقضة وغير محسومة (هذه التجارب حصلت ضمن نطاقات محدودة، مما يعني أن المقارنة لا تصلح مع بلد يتمتع بقطاع خاص متجذر كما في حالة لبنان). في الوقت ذاته، ودون الغوص في الشروط التقنية المطلوبة لنجاح هكذا تجربة، من المتوقع أن يترتب عن إعتمادها نفقات إضافية على عاتق وزارة التربية والتعليم العالي يمكن تقديرها بحوالي 3-4 مليار دولار، وهذا المبلغ غير متوفر الا إذا تم تخفيضه من موازنات وزارات أخرى.

“التأميم للجميع”، أي أن تفرض الدولة تساوي الفرص التربوية، عبر وضع يدها على القطاع المدرسي كاملا، وإستحداث كوتايات بحسب الطبقة الإجتماعية ضمن كل مؤسسة. طبعًأ، لكي لا يؤدي ذلك الى تردي شامل في مستوى التعليم، على هكذا إجراء أن يترافق مع رزمة إصلاحات لحوكمة المدارس، تتضمن إشراك الأهل في إدارتها، وتحديث البرامج، وتحسين ظروف الأساتذة وتكثيف تدريبهم مع التشدد في مساءلتهم، وإستحداث آليات لتحفيز محاسبة الإدارات، وإيجاد صيغ جديدة للإستفادة من خبرات العاملين سابقًا في القطاع الخاص. من الصعب التصوّر أن يحدث ذلك في المستقبل القريب، خاصةً أنه يترافق أيضًا مع زيادة كبيرة في الإنفاق العام. يمكن إيجاد حل وسط عبر الآلية التالية: تخيير كل مدرسة بين أن تكون مؤسسة ذات رسالة لا تتقاضى رسوم من تلامذتها، أو أن تكون شركة تبغي الربح بشكل صريح، وحينها يفرض عليها المساهمة الى خزينة الدولة عبر ضريبة على ربحها، إضافةً الى ضريبة مقطوعة (نقترح ألف دولار مثلا) على كل تلميذ مسجل، تُخصص لتمويل المدارس الرسمية ضمن نطاقها الجغرافي.

“الخصخصة للجميع أو التأميم للجميع”، لمزيد من المساواة في الفرص بين جميع أبناء الوطن، ولإسقاط الجدار التربوي العظيم، الذي يفصل بين الطبقات الإجتماعية-الإقتصادية، والذي قتل جورج زريق حرقًا.

 

Latest from Arabic

إنكماش في 2019 و2020…

رجّح معهد التمويل الدولي أن يبقى لبنان، في ظلّ غياب الاصلاح الحقيقي
Go to Top