ميزان المدفوعات: إنهيار حتمي أم خطأ منهجي؟3 min read

Arabic/Slider/أقلامنا/إقتصاد عام

في تقرير حول مآلات الإقتصاد اللبناني نشره الأسبوع الماضي المصرف الدولي “غولدمن ساكس”، وردت تحذيرات متكررة من هشاشة الوضع الإقتصادي لناحية ما يُعرف بالـ”عجز المزدوج”، أي العجز في كل من الموازنة العامة والحساب الجاري لميزان المدفوعات، ما ينذر بإنهيار مالي يلوح في الأفق. ولكن، وفي حين أن التسلسل المنطقي الذي إتبعه التقرير يُعدّ مترابطًا من وجهة نظر اقتصاديّة، الا أنه يرتكز على إحصاءات يشوب إعدادها أخطاء منهجيّة تفرّغ الأرقام من إرتباطها بالواقع وتفرض إذًا مقاربة أيّ  تحليلات لها بحذرٍ شديد.
في ما يلي نقوم بتفنيد بعض هذه  المغالطات، التي لا يأخذها في عين الإعتبار أي من الخبراء الإقتصاديين عند تشخيصهم لصحة الوضع الاقتصادي.

القطاع السياحي

بلغت مداخيل لبنان من السياحة في عام 2016 7.04 مليار دولار، أي ما يساوي 23% من مجمل المداخيل من غير المقيمين (بحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي). في  محاولة فهم كيفيّة  التوصّل الى هذا  الرقم،  تظهر ضمن مستند نشره مصرف لبنان في عام 2018 بعنوان “External Sector Statistics Methodology” (منهجيّة إحتساب إحصاءات القطاع الخارجي)، ثغرات أساسيّة بعد التدقيق. مثلا، يتكل المعدّون في تقديرأعداد السيّاح غير المقيمين، على جنسيّات الوافدين المزوّدة من قبل الأمن العام. فماذا عن آلاف اللبنانيين المقيمين في الخارج والذين يترددون دوريًا الى لبنان؟ وكيف يمكن تمييز الوافدين من سوريا بين لاجئ وسائح؟ من جهة ثانية، تعتمد المنهجيّة المعتمدة حاليًا على “تقديرات وسطيّة للإنفاق الفردي بحسب تصنيف البلدان”. في ظل غياب إجراء مسوحات ميدانيّة، كيف يتم الوصول الى هذه التقديرات؟ وهل يتم تحديثها دوريًا، وعلى أي أساس؟

تحويلات  المغتربين

سالت أنهار من الحبر لتحليل تحويلات المغتربين العاملين في الخارج الى ذويهم في لبنان، دون التوقف للتمعّن في كيفيّة التوصّل الى الإحصاءات المتعلقة بهذا البند من ميزان المدفوعات. وقد وصلت هذه التحويلات الى حدود  6.9 مليار دولار في عام 2016، أي ما يقارب 23% من التدفقات الماليّة الى لبنان. وفقًا لمنهجيّة المصرف المركزي، يتم تقدير هذه التدفقات من خلال  بلاغات المصارف التجاريّة للتحويلات التي تتم عبرها  والتي  تفوق قيمتها 10,000 دولار ومن خلال بيانات شركات تحويل الأموال. ولكن، كما يعلم كل من عنده أقرباء يعملون في الخارج، فإن قسمًا لا بأس به من تلك التحويلات يحملها نقدًا المغتربون عند زيارتهم للبلاد. فكيف يمكن الإتكال على رقمٍ، لا يتضمن بيانات ناتجة عن مسحٍ ميداني لتقدير تلك التدفقات؟

الإستثمار الأجنبي المباشر

تشمل خانة الإستثمار  الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment) نوعان من العمليّات: شراء أسهم شركات لبنانيّة من قبل غير مقيمين بهدف التأثير على إدارة الشركة، أو شراء غير مقيمين لعقارات في لبنان. وبلغت هذه التدفقات- التي تتبع لخانة الحساب المالي من ميزان المدفوعات-  2.6 مليار دولار في عام 2016.  المستغرب في هذه الإستثمارات أنها، وبحسب إحصاءات مصرف لبنان، تستمر في التدفق بغض النظر عن المناخ الإقتصادي أو السياسي.  هل يجوز مثلا، أن يكون تدفق الإستثمارات الخارجيّة الى لبنان أكثر من 600 مليون دولار خلال شهري تموز وآب 2006، في  حين كانت تتعرّض البلاد للقصف الإسرائيلي؟  وهل من المنطقي أن تصل مجموع قيمة الإستثمارات المباشرة 48.4 مليار دولار منذ عام 2002، أي ما يقارب 95% من الناتج المحلي، وهذه نسبة لا تتحقق حتى في البلدان الأكثر إجتذابًا للإستثمارات الخارجيّة؟ تدل هذه المغالطات، كما التي سبقت، الى الحاجة لإعادة النظر في المنهج المعتمد لقياس الإستثمار المنهجي المباشر، عبر نظام إلزامي للتبليغ عن العمليّات المرتبطة به بالتنسيق بين وزارتيّ المالية والإقتصاد.

 عمليّة قلب مفتوح… دون آلة مراقبة التخطيط الكهربائي؟

لماذا على القارئ أن يكترث للمعطيات التي تقدمنا بها أعلاه، وهي مجرّد أمثلة اخترناها لشوائب عديدة تعاني منها الإحصاءات الإقتصاديّة الرسميّة. للإجابة ندعوكم الى التأمل في السؤالين التاليين:
ما شعوركم لو عرفتم أن قريب لكم يخضع لعملية قلب مفتوح، دون توفر آلة مراقبة التخطيط الكهربائي للقلب، التي تسمح للجراح بتعقب تفاعل جسم المريض مع العمليّة؟
وكم هي ثقتكم لقيادة سيّارة لا تتمتع بلوحة عدادات (dashboard)؟

عمليًا، تلعب الإحصاءات الإقتصاديّة الرسميّة الدور  نفسه فيما يخص السياسات الإقتصاديّة والماليّة. بالتالي، يستحيل رسم السياسات المناسبة، دون إصلاح القاعدة الإصلاحية الحالية. وفيما يعمل مصرف لبنان على إعداد بيانات ماليّة بدقة عالية، لا يتمتع بصلاحية إجراء مسوحات ميدانة، ويبقى بحاجة الى تعاون إدارة الإحصاء المركزي إفي هذا المجال.

*لقراءة منهجية الاحصاء في القطاع الخارجي اضغط هنا