كيف يمكن تفادي الانهيار الاقتصادي القادم؟5 min read

Arabic/Slider/أقلامنا/إقتصاد عام

مع إطالة أمد تشكيل الحكومة، تكثر الأسئلة في أوساط اللبنانيين – المغتربين تحديدًا- حول وضع الليرة اللبنانية وجدوى إبقاء ودائعهم في لبنان خوفًا على مدخراتهم. فيما يتعلق بسعر صرف الليرة، يحافظ مصرف لبنان على أصول خارجية تزيد قيمتها عن 45 مليار دولار، هذا وقد تمكّن المصرف من الحفاظ على ثباتها عند هذا المستوى منذ مطلع عام 2014 مما يؤشر على أن للمصرف المركزي ما يكفي من الإحتياطي لتغطية الدين العام بالعملة الأجنبية (قيمته حوالي 35 مليار دولار) وللدفاع عن سعر صرف الليرة.

جذور الأزمة: خلل بنيوي في الماليّة العامة
بالتوازي مع الإستقرار في الوضع النقدي، يتهيّئ لبعض اللبنانيّن ان لبنان أصبح بمنأى عن الأزمات الاقتصادية، غير أن مكمن الخطر ينبع من وضع الماليّة العامة التي بلغت حدا غير مسبوقًا من التأزم، عبّر عن جانب منها وزير المالية علي حسن خليل في 28 تشرين الثاني لجهة تأمين التمويل لحاجات الدولة. ويعود هذا التأزم الى عطب بنيوي يطال الماليّة العامة للبلاد، إذ أن الدين العام بلغ نسبة قياسيّة من الناتج المحلي تخطت 150% (المرتبة الثالثة في العالم بعد اليابان واليونان)، ومردّ ذلك إلى استمرار عجز الموازنة دون أي خفض للمصاريف، وذلك بعكس إلتزامات لبنان في مؤتمر CEDRE. ويعود جزء كبير من هذه الزيادة الى إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، التي أضافت نفقات ما يقارب 500 مليون دولار للأشهر الأربعة الأخيرة من 2017 بحسب وزارة المالية (ص. 15)، أي ما يمكن تقديره بحوالي 1.5 مليار لعام 2018.
لن يكفي تشكيل الحكومة لتصحيح الخلل البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد. ولن تجدي الحلول الجزئية أو الأحادية. المطلوب اليوم لتفادي الانهيار مجموعة مكتملة من الاجرائات، بتكافل وتضامن أطراف متعددة. واذا لم يحصل هذا الأمر بطريقة منظمة، فيمكن للأزمة القادمة أن تأتي بأضرار جسيمة على كافة الأطراف، من قطاع مصرفي وموظفي القطاع العام ومؤسسات تجاريّة وأجراء القطاع الخاص. فإما أن تتفق كل قوى الانتاج على مشاركة خسارات محدودة، أو ستتسبب الأزمة بكرة ثلج اقتصادية ستفرض خسائر طائلة على الجميع. انطلاقًا من هنا، العناصر الأساسية للتصحيح البنيوي، هي التالية.

القطاع المصرفي والدين العام
بلغت خدمة الدين 31% من مجمل نفقات الدولة في النصف الأول من 2018، بقيمة متوقعة أن تبلغ 5.5 مليار دولار. وتتشير التقديرات الى امتلاك القطاع المصرفي والمالي لحوالي 74% من الدين العام الصادر بالعملة الأجنبية (مجموعه 35 مليار دولار) و85% من الدين العام الصادر بالليرة اللبنانية (مجموعه حوالي 48 مليار دولار). بناءً على هذه المعطيات، لا يمكن تصحيح وضع المالية العامة دون مساهمة من هذا القطاع. وعلى هذه المساهمة أن تأتي عبر تنازل المصارف عن حقها باسترداد قيمة جزء من السندات ذات الأمد الطويل التي بحوزتها، أو موافقتها على اعادة التفاوض على فوائدها الى حد تخفيض خدمة الدين ما لا يقل عن مليار دولار. ومع أن إجراء من هذا النوع سوف يرتّب على القطاع خسائر ضمن فترة زمنية محدودة، ولا يمكن أن يحصل الا بشكل طوعي، الا أن لدى القطاع المصرفي مصلحة في تدعيم استقرار المالية العامة، اذ ان هذه الخسائر المحدودة تبقيها بحالة أفضل بكثير من اي افلاس يمكن أن يطال الدولة وقد يؤدي الى انهيار القطاع بأكمله للترابط الكبير بينهما. غير أن القطاع المصرفي لن يقدم على هكذا خطوة، الا في حال وجود ضمانات بعدم تكرارها بعد سنوات معدودة بسبب التقاعس عن معالجة الأعطاب البنيوية الأخرى.

موظفو القطاع العام وسلسلة الرتب والرواتب
إستحوذ الانفاق على رواتب وأجور وتعويضات موظفي القطاع العام على 36% من مجمل الانفاق العام، ومن المتوقع أن يصل الى 6.3 مليار دولار لعام 2018 (القسم الأكبر منها ينفق على الاسلاك العسكرية والامنية والتربوية). وبما أن هذا البند يشكل أكبر بنود الانفاق، لا يمكن التحدث عن أي حل جدي دون التطرق اليه. في هذا المجال، يبقى الحل الأسرع المتاح هو تجميد تطبيق قانون سلسلة الرتب والرواتب، ما يسمح بتوفير حوالي 1.5 مليار دولار. في الوقت ذاته، على الدولة اتخاذ إجرائات لترشيد أعداد الموظفين ضمن الملاك، ليس عبر تسريحهم -ما قد يتسبب بأزمة اجتماعية-، بل عبر تجميد التوظيف في معظم القطاعات حتى تخف الاعداد من جراء التقاعد. هذا مع العلم أن هؤلاء الموظفين لا يشكلوا الطبقة الأكثر هشاشةً في المجتمع –ينعمون بتوظيف مدى الحياة محمي من المنافسة، بتعويضات في نهاية الخدمة، وبتغطية صندوق الضمان الاجتماعي او تعاونية موظفي الدولة في حين أن نصف القوى العاملة في البلد غير مسجلة لدى صندوق الضمان ويرزخ 150,000 شخص تحت وطأة البطالة. وفي هذا السياق يقدّر رئيس الهيئة العليا للتأديب القاضي مروان عبّود أن ” نحو ثلثي موظفي الدولة يجب طردهم”. وبعيدًا عن التعميم، ما هي الآلية التي يمكن اعتمادها للابقاء على الثلث الجاد والكادح والنظيف من الموظفين، في حين أن طرد الذين يتحدث عنهم القاضي قد يوفر على الخزينة أكثر من 4 مليارات دولار حتى مع ابقاء السلسلة؟

إصلاح الكهرباء وانشاء شبكة للأمان الاجتماعي
مع إرتفاع معدل أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، عادت خسائر الدولة من دعم كهرباء لبنان الى الارتفاع في عام 2018 بنسبة 32% عن عام 2017، ومن المتوقع ان تصل الى 1.5 مليار دولار للسنة الحاليّة (أي 16% من مجموع الانفاق). هنا، الحل المعتمد في معظم دول العالم هو خصخصة القطاع مع ادخال المنافسة اليه. ويمكن للدولة أن تنجز ذلك في فترة لا تتعدى سنتين أو ثلاثة، فتنقل ادارة قطاعات الانتاج والتوزيع الى القطاع الخاص، وتحتفظ بادارة الشبكة المعتمدة لنقل التيار. صحيح أن من شأن ذلك زيادة الفاتورة الكهربائية التي يسددها المواطن على المدى المتوسط، لذلك يجب أن تترافق هذه الخطوة مع إنشاء شبكة للأمان الاجتماعي وعلى وجه التحديد اقرار البطاقة الطبية الشاملة التي تتيح لكل مواطن يستوفي شروط معينة أن يحصل على الطبابة على نفقة الدولة، وإضافة فرع خامس للضمان الاجتماعي، هو صندوق ضمان البطالة، تموله الدولة. تجدر الاشارة الى انه حتى مع إتخاذ هاتين الخطوتين (الطبابة الشاملة وضمان البطالة) يمكن أن تحقق الخزينة فائض من تجميد الدعم الى كهرباء لبنان.
كلنا للوطن؟

في الخلاصة، يمكن للاجراءات أعلاه ان اعتمدت أن توفر على الخزينة ما لا يقل عن 3.5-4 مليار دولار سنويًا، مما يؤدي الى تغطية العجز بشكل كامل أو تقليصه الى مستويات مستدامة، فيؤدي ذلك الى مكافحة التضخم واطلاق عجلة النمو الاقتصادي والامتثال الى شروط مؤتمر CEDRE. ولكن، في الوقت ذاته، لن ترضى أي من القطاعات المعنية ان تساهم في الحل منفردة، أو ان بأتي على حسابها وحدها. فهل تقدم على التشارك في التضحية، في سبيل تفادي الانهيار الكبير؟

Latest from Arabic

Go to Top