هل تؤدي الموازنة الى انهيار الإقتصاد اللبناني؟4 min read

Arabic/Slider/أقلامنا/إقتصاد عام

أَولى مجلس الوزراء اللبناني حيّز كبير من اهتمامه في اجتماعاته الأسبوع الفائت لمناقشة عجز موازنة عام 2018، الذي بلغ 8 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المالية العامة للبلاد. فوصلت جريدة الأخبار، على سبيل المثال، الى حد وصف هذا التطور بتعبير “اللعب بالنار” (في عدد 27 شباط)، في إشارة الى الزيادة الملحوظة للعجز عن عام 2017، حيث كان بلغ ما يقارب 5 مليار دولار.

ما هو عجز الموازنة؟

ببساطة، عجز الموازنة هو الفارق بين الايرادات العامة من جهة، أي بشكل أساسي الضرائب والرسوم التي تحصلها الحكومة من المواطنين، والنفقات العامة من جهة أخرى المشكّلة من مصاريف الحكومة على رواتب وأجور موظفي القطاع العام، وتأمين الخدمات العامة وكلفة خدمة الدين. اذًا في حين أنه يُتوقع أن يبلغ مجموع إنفاق الحكومة لعام 2018 ما يقارب 19 ميليار دولار، لا تتعدى الايرادات المنتظرة للخزينة 11 ميليار دولار. بالتالي، عجز الثمانية مليار دولار التي ضجت بها وسائل الاعلام خلال الاسبوع المنصرم، هو الفارق ينهما، أي نفقات الحكومة غير المغطاة من قبل الموارد المتوفرة لديها. واذا شبهنا الحكومة الى أسرة، فالوضع الحالي هو مثل لو أن مداخيل الزوجين يبلغ 2,000 دولار في الشهر، في حين أن الأسرة تعيش بمصاريف تصل الى 3,500 دولار!

ما هو تأثير العجز على الاقتصاد؟ وكيف يمكن أن يؤثر عليّ؟

أولا، يجب الاشارة الى أن تفادي العجوزات بأسلوب عقائدي لا يشكل مقاربة بناءة. فكما أن الأسرة قد تضطر في شهرِ ما الى انفاق ما يفوق قدرتها، بسبب طارئ حصل أو للاستفادة من فرصة للاستثمار، فيجوز كذلك أن تزيد الحكومة من انفاقها بسبب أوضاع إستثنائية أو للاستفادة من فرص إستثمارية ترفع معدل النمو (مثل تشييد بنى تحتية أو تطوير القطاع التربوي).

أما الخطر الاقتصادي، فيقع عندما يكون العجز بنيوي ومتكرر (مثل أسرة “تنكسر” كل شهر على مدار السنة  كلها) أو عندما يكون الانفاق موجه على بنود غير منتجة، مثل رواتب الموظفين أو خدمة الدين (مثل أسرة تبذر في الصرف على منتجات فاخرة أو ثانويّة). هنا الخطر في حالة الدولة اللبنانية، التي تراكم العجوزات منذ سنين طويلة فيما يذهب معظم الانفاق على ثلاثة أقسام: رواتب وأجور موظفي القطاع العام، خدمة الدين العام، ودعم شركة كهرباء لبنان.

وعندما نكون في حالة مثل هذه، من شأن ذلك أن يؤدي الى إزدياد مضطرد في الدين العام، الذي يتشكل من مجموع العجوزات على مدى السنوات المتتالية. وفيما بلغ الدين العام ما يقارب 80 مليار دولار في نهاية عام 2017، سوف يصل الى ما مجموعه 88 مليار في نهاية العام الحالي اذا ما أُبقي على نفس مستوى العجز (8 مليار). وقد يُصبح لبنان جرّاء ذلك ثاني بلدان العالم فيما يتعلق بالدين العام نسبةً لحجم الاقتصاد، من بعد اليابان الذي يشكل حالة خاصة جدًا في هذا المجال. والنتيجة الأولى المترتبة عن هذا الأمر، أن خدمة الدين سوف تستحوذ على نسبة متزايدة من الموازنة، فتضمحل الموارد المتوفرة لكي تُنفق على بنود أخرى النتيجة الثانية، هي أن هذا المستوى من الانفاق، عندما لا يترافق مع زيادة مرافقة للانتاج، يعني أن الطلب يزداد دون ازدياد العرض، مما يؤدي حتمًا الى ارتفاع مستمر في الأسعار (أي التضخم)، وهذا ما بدأ يشعر به المواطن خلال العام الفائت. أخيرًا، يؤدي الأمر أيضًا الى اهتزاز ثقة المستثمرين بقدرة الحكومة على التقيّد بإلتزاماتها، ما قد يؤدي الى هروب رؤوس الاموال أو إنخفاض الاستثمار أو تهديد سلامة القطاع المصرفي، ذلك مع العلم أن حوالي 80% من الدين العام يعود للمصارف، أي أن ودائع المواطنين فيها قد تصبح مهددة أيضًا.

والاكثر خطورةً أن تفاعل العناصر المذكورة أعلاه  تشكل دوّامة سلبيّة تشبه كرة الثلج، تجعل العودة الى الاستقرار في غاية الصعوبة بعد تخطي عتبة معيّنة. أبرز مثال تاريخي حديث على ذلك حصل في دولة زيمبابوي، حيث أدى تراكم العجوزات المتتالية في أواخر التسعينيات، الى ارتفاع فجائي في نسبة التضخم، حيث أصبح من المستحيل كبح الظاهرة الى أن وصلت النسبة الى 231 مليون بالمئة عام 2008، محولةً بذلك معظم الشعب الى أصحاب المليارات من الفقراء. ونظرًا الى خطورة ظاهرة العجوزات، نصت إتفاقية ماستريخت التي تحدد شروط الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، سقف 3% من الناتج المحلي للعجز السنوي للحكومات الاوروبية (بالمقارنة سوف يصل العجز الى 14% اذا أبقت الحكومة على الوضع كما هو).

ورقة 100 تريليون دولار من عملة الزيمبابوي، وكانت تساوي حوالي نصف دولار أميريكي في قمة الأزمة (عام 2008)

ما هي الحلول للخروج من الدوّامة؟

نظرًا الى كل ما تقدم، يبقى مجريان لتخفيض العاجز لا ثالث لهما: أما زيادة في الايرادات، مع ما يترافق من زيادة في الضرائب التي لا قدرة للشعب على تحملها في ظل الظروف الحاليّة. أو خفض الانفاق، الذي بدوره يتطلب أمر من اثنين: الغاء التحويلات الى شركة كهرباء لبنان (عبر شراكة مع القطاع الخاص، أو خصخصة كاملة لنشاطات الانتاج) أو العمل على تخفيض مصاريف الرواتب والاجور مما يؤدي حكمًا اما الى تسريح موظفين من القطاع العام، أو الى عملية واسعة لتخفيص أجور ومنافع الموظفين الحاليين. ذلك مع العلم، أن اقرار سلسلة الرتب والرواتب في تموز 2017 ساهم بشكل كبير الى الوصول الى الوضع الحالي. فهل تعود الحكومة بالبلاد الى ما قبل ذلك، على أبواب الانتخابات النيابية؟

 

Latest from Arabic

Go to Top